العلوم البيئية

موجات جفاف كبرى ضربت أمريكا الشمالية والجنوبية في الماضي في وقت واحد

ظروف لا نينيا القوية أحدثت موجات جفاف عميقة في العصور الوسطى

بقلم: بول فوسن

ترجمة: صفاء كنج

اجتاح وسط تشيلي جفاف شديد على امتداد عشر سنوات، فيما قل هطول الأمطار بنسبة 30% عن المعتاد، فذبلت المشاهد الطبيعية الخضراء وانخفض مستوى خزانات الماء ونفق أكثر من 100 ألف رأس من حيوانات المزرعة. استمرت فترة الجفاف مدة طويلة لدرجة أن الباحثين أطلقوا عليها اسم “موجة جفاف عظمى” Megadrought، تُماثل مستوى موجات الجفاف التي عرفتها المنطقة قبل قرون. وهي لا تختلف كثيراً عن فترة الجفاف التي دامت عشر سنوات وعانتها كاليفورنيا التي تبعد عنها نحو ثمانية آلاف كيلومتر حتى عام 2019.

بتحليل سجلات حلقات الأشجار Tree ring records، وجد العلماء حالياً أدلة على أن تزامن موجات الجفاف هذه هو أكثر من مجرد مصادفة: لقد كانت شائعة على نحو مدهش على مدار 1,200 سنة الماضية، وقد تتقاسم في أكثر الأحيان سببًا شائعًا – حالة باردة أكثر من المعتاد في شرق المحيط الهادي، تُعرف بلا نينيا La Niña. يقول نايثن ستيغر Nathan Steiger، عالم المناخ القديم من جامعة كولومبيا Columbia University الذي عرض بحثه في ديسمبر 2019 خلال اجتماع للاتحاد الجيوفيزيائي الأمريكي American Geophysical Union: “لم نتوقع أن يكون هناك قدر من الاتساق الذي نراه. إنها متزامنة مع بعضها بعضا”. وتشير النتائج إلى أن الجفاف الشديد قد يضرب في المستقبل على طول الساحل الغربي للأمريكتين.

ظهرت أدلة على حدوث حالات جفاف متزامنة في نصف الكرة الأرضية لأول مرة في دراسة نشرتها عام 1994 مجلة نيتشر Nature، ووثقت جذوع الأشجار الميتة في وسط البحيرات والأنهار في كل من باتاغونيا وسييرا نيفادا بكاليفورنيا. ولكي تنمو الأشجار في مجرى نهر أو بحيرة، يجب أن تستمر فترات الجفاف لعقود، ويبدو أن واحدة على الأقل من فترات الجفاف الكبرى هذه قد ضربت القارتين في وقت واحد.

لكن تحديد التوقيت الدقيق لحدوثها لم يكن ممكنًا في تسعينات القرن العشرين. يُكتشف الجفاف القديم عادة في تباينات عرض حلقات الأشجار، لكن سجلات حلقات الأشجار كانت متقطعة. منذ ذلك الحين، أعد العلماء المختصون بحلقات الأشجار “أطالس الجفاف” Drought atlases  التي توفر سجلات ثابتة لأكثر مناطق العالم. يقول إد كوك Ed Cook، عالم حلقات الأشجار في كولومبيا: « بنهاية عام 2020 سنكون قد غطينا معظم مناطق اليابسة في نصف الكرة الأرضية».

 وقد دمج ستيغر هذه السجلات في الآلاف من المؤشرات المناخية غير المباشرة Proxies الأخرى عن الجفاف ودرجة الحرارة من الأشجار والشعاب المرجانية ورواسب المحيطات وعينات لب جليدية Ice cores وأدخلها في نمذجة مناخية عالمية. وبمحاذاة عملياتها مع هذه السجلات، أعطت النمذجة رؤية عالمية للمناخ المتغير، حتى في الأماكن ذات المؤشرات المناخية غير المباشرة المتفرقة. وأكدت النمذجة أنه، من سنة 800 إلى 1600 من الحقبة الحالية (C.E.)، حدثت موجات جفاف كاسحة متعددة متزامنة عبر نصفي الكرة الأرضية. ويقول كوك: «لقد حدثت. … بلا شك، حدثت».

وإلى جانب ربط السجلات المناخية المتنوعة، حددت النمذجة أيضًا العوامل الرئيسية التي تحرك التغيرات المناخية. استخدم ستيغر وزملاؤه، بمن فيهم كوك، الأداة الجديدة في البدء بمعاينة موجات الجفاف الكبرى في جنوب غرب الولايات المتحدة. يقول ديفيد ستال David Stahle، عالم حلقات الأشجار من جامعة أركنسو University of Arkansas في فايِتْفيل، إن دراستهم التي نُشرت في 2019 في مجلة ساينس أدفانسز Science Advances «مذهل. … الأمر يشبه إلى حد ما … أخذ الأفلام التي كانت بالأبيض والأسود وتحويلها إلى أفلام ملونة». وقد وجدوا أن فترات الجفاف الكبرى في الجنوب الغربي تأثرت بثلاثة عوامل: المحيط الأطلسي الشمالي الدافئ بشكل غير مألوف، والارتفاع الطفيف في درجات الحرارة العالمية الصغيرة مدفوعا بعوامل مثل أشعة الشمس الساطعة، وخصوصاً، ظاهرة لانينيا La Niña. وقد تستمر ظاهرة لا نينيا، ابنة العم الباردة للإلنينيو، لسنوات، وأن تحيد العواصف الممطرة عن مساراتها المعتادة.

 في البحث الجديد، وجد الفريق أن لا نينيا هي المحرك الوحيد تقريبا لموجات الجفاف الكبرى في أمريكا الجنوبية. ولأن ظاهرة لا نينيا تؤثر في الظروف المناخية على جانبي خط الاستواء، فقد تؤدي على الأرجح إلى حدوث موجات جفاف متزامنة في نصفي الكرة الأرضية.

تقول جيسيكا تيرني Jessica Tierney، عالمة المناخ القديم من جامعة أريزونا University of Arizona، إن الجمع بين سجلات المؤشرات المناخية غير المباشرة والنمذجة هو أداة قوية لفهم المناخات التي سادت قديما. وتقول: «لقد كان نايثن بالفعل سباقاً في هذا المجال». لكنها تحذر من أن النمذجات لا تحاكي دورة لا نينيا محاكاة تامة. كما أنه من غير المؤكد ما إذا كانت الصلة بين ظاهرة لا نينيا وموجات الجفاف القديمة هي ديناميكية مستقرة تدوم قرونًا أو قد تتغير بمرور الوقت. كما أن التغير العشوائي للطقس هو دائمًا عامل لاستقرار هذه الديناميكية: الجفاف الحالي في أمريكا الجنوبية، على سبيل المثال، عانى ظروفا أحدثتها ظاهرتا إلنينيو ولا نينيا.

كما أنه من غير الواضح الكيفية التي ستتغير بها أنماط الجفاف مع احترار المناخ. من المؤكد أن الجو الآخذ في الاحترار بمفرده سيجعل موجات الجفاف الكبرى أكثر تواتراً، خصوصاً في الجنوب الغربي. ولا يزال العلماء منقسمين حول الكيفية التي يؤثر بها التغير المناخي في دورة ظاهرتي إلنينيو ولا نينيا. تشير النمذجات إلى أن ظاهرة إلنينيو هي التي ستهيمن، ولكن في العقود القليلة الماضية، بدا أن ظاهرة اللا نينيا كانت أكثر تواتراً. يقول دانييل غريفين Daniel Griffin، عالم المناخ القديم من جامعة مينيسوتا University of Minnesota: «لا يزال هناك اختلاف في الآراء. … أرى أشخاصًا يحاولون تجاهل تصريحات تحظى بالإجماع».

على الرغم من الجفاف الذي تشهده تشيلي حالياً، فإنه لا يمكن وصفه بأنه موجة جفاف عظمى مقارنةً بتلك التي سادت في العصور الوسطى وكانت أطول وأشد. ويقول كوك إنه من الواضح أن شيئاً ما على صلة بتلك الفترة لم يعد يحدث في القرون الأخيرة، وإذا عاد ذلك النمط بطريقة ما، وساهمت ظاهرة الاحتباس الحراري في تضخيمه، «فقد تصل الأمور إلى مستوى كارثي تماماً».

© 2020, American Association for the Advancement of Science. All rights reserved.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق