فضاء

الجيش الأمريكي يختبر تنظيف حزام الإشعاع في الفضاء

يمكن لموجات الراديو أن تنظِّف الأحزمة من الجسيمات المهددة للأقمار الاصطناعية بعد هجوم نووي سري

بقلم: ريتشارد ستون

ترجمة: صفاء كنج

ظن الجيش الأمريكي أنه نجح في إزالة الشوائب من السماء عندما فجَّر في 9 يوليو 1962 قنبلة نووية تزن 1,4 ميغاطن على بعد نحو 400 كيلومتر في الفضاء: كانت الأقمار الاصطناعية المدارية بأمان خارج نطاق الانفجار. لكن في الأشهر التي تلت الاختبار الذي أطلق عليه اسم ستارفيش برايم Starfish Prime، بدأت الأقمار الاصطناعية تنطفئ واحدا تلو الآخر، بما في ذلك القمر تلستار Telstar، أول قمر اصطناعي للاتصالات في العالم. فقد خلف الانفجار تأثيراً غير متوقع: لقد عطَّلت الإلكترونات عالية الطاقة High-energy electrons التي انبعثت من الحطام المشع والمحصور في المجال المغناطيسي للأرض أجهزة الأقمار الاصطناعية الإلكترونية وألواحها الشمسية.

قد يُهمل الاختبار ستارفيش برايم والاختبارات السوفييتية المشابهة لأنها مغامرات سيئة تعود إلى حقبة الحرب الباردة ولن تتكرر أبدًا. ففي نهاية الأمر، مالقوة النووية التي قد ترغب في تلويث الفضاء بجسيمات تتسبب في تعطيل أقمارها الاصطناعية الضرورية للاتصالات والملاحة والمراقبة؟ لكن المخططين العسكريين يخشون أن تمثل كوريا الشمالية استثناء: فهي تمتلك أسلحة نووية ولكن ليس لديها أي قمر اصطناعي يعمل من بين الآلاف الموجودة حالياً في المدار. وهم يشيرون بهدوء إلى انفجار مداري مفاجئ يسمونه “بيرل هاربر الفضائي” Pearl Harbor of Space.

هكذا، ومن دون ضجة، يحاول علماء الدفاع ابتكار تصحيح يعالج الآثار المترتبة على ذلك. وتهدف ثلاث تجارب فضائية – واحدة في المدار حالياً واثنتان تستعدان للانطلاق في عام 2021 – إلى جمع بيانات حول الكيفية التي يمكن بها تصريف الإلكترونات المشحونة التي يحصرها مجال الأرض المغناطيسي في أحزمة إشعاعية تطوِّق الكوكب. تحدث هذه العملية المسماة معالجة حزام الإشعاع Radiation belt remediation (اختصارا: المعالجة RBR) بشكل طبيعي عندما تدفع موجات الراديو من الفضاء السحيق أو من الأرض – ثرثرتنا الإذاعية على سبيل المثال أو الانبعاثات الناتجة من البرق – الإلكترونات المحاصرة في حزامي فان آلن Van Allen الإشعاعيين المحيطين بالأرض باتجاه الجزء العلوي للغلاف الجوي حيث سرعان ما تُطلَق الطاقة، التي تسبب في كثير من الأحيان ظاهرة الشفق القطبي Aurorae.

ويقول كريغ رودجر Craig Rodger، الفيزيائي الفضائي من جامعة أوتاغو University of Otago: «يحدث الترسيب الطبيعي Natural precipitation طول الوقت». لكنها لن تكون سريعةً بما يكفي لتصريف الأحزمة المشحونة بالإشعاع النووي، وقد تكون تدفقات الإلكترونات أعلى بملايين المرات من حزامي فان آلن المحيطين بالأرض.

حصل العلماء على لمحة عما قد يمثل حلاً من مسباري فان آلن Van Allen Probes اللذين أطلقتهما الوكالة ناسا عام 2012 لمعاينة حزامي الإشعاع حول الأرض إلى حين انتهاء المهمة في صيف 2019. وقد وفرت المهمة نظرة عميقة على عمليات المعالجة الطبيعية مبيِّنة الكيفية التي تتعامل بها الموجات الراديوية مع الإلكترونات المشحونة وتشتتها أسفل خطوط المجال المغناطيسي وتزيحها إلى خارج الحزامين. يقول جيف ريفز Geoff Reeves، الفيزيائي الفضائي من مختبر لوس ألاموس الوطني  Los Alamos National Laboratory: «مقارنةً بعشرة أعوام مضت، نعرف الكثير حول الكيفية التي تعمل بها هذه التفاعلات بين الموجات والجسيمات».

لقد صار الباحثون على استعداد لتجربة العلاج الاصطناعي عن طريق تسليط موجات راديوية على حزامي الأرض المغناطيسيين. اختبر الفيزيائيون ذلك باستخدام أبراج الهوائيات ذات التردد المنخفض جدًا Very low frequency (اختصاراً: الترددات VLF)، وهي إمكانات قوية تستخدمها  البحرية الأمريكية  للتواصل مع الغواصات، كما يقول دان بيكر Dan Baker، مدير مختبر فيزياء الغلاف الجوي والفضاء Laboratory for Atmospheric and Space Physics من جامعة كولورادو University of Colorado في بولدر، وأحد الباحثين الرئيسيين في مهمة مسباري فان آلن. قد تُستخدم هوائيات برنامج البحث الشفقي النشط عالي التردد High frequency Active Auroral Research Program في ألاسكا والطبق العملاق لمرصد أريسيبو Arecibo Observatory في بويرتوريكو لتوليد أحزمة الصرف الراديوية.

قد تكون منصة المعالجة RBR المدارية أكثر فعالية؛ لأنها أكثر قربًا من الهدف. وفي يونيو 2019، أطلق سلاح الجو الأمريكي ما وصفه بأنه أكبر هيكل غير مأهول يُحلق في الفضاء: تجربة الهوائي ثنائي القطب (اختصاراً: الهوائي DSX). ويبلغ طول الهوائي DSX تقريبًا طول ملعب كرة قدم أمريكية، وتتمثل مهمته الرئيسية في إرسال الموجات VLF  إلى حزامي فان آلن وقياس الجسيمات المترسبة بالاستعانة بأجهزة الكشف على متنها. يقول جيمس ماكالو James McCollough ، الباحث الرئيسي في تجربة الهوائي DSX من مختبر أبحاث القوات الجوية Air Force Research Laboratory: “إنها طريقة جديدة لاستثارة الحزامين واستكشاف المسائل الأساسية في فيزياء الفضاء”.

يقود فريق من العلماء في مختبر لوس ألاموس ومركز غودارد لرحلات الفضاء Goddard Space Flight Center التابع للوكالة ناسا تجربة ثانية لترسيب الجسيمات باستخدام الترددات VLF. وفي أبريل 2021 يخطط الفريق لإطلاق صاروخ صوتي يحمل تجربة تفاعلات شعاع البلازما Beam Plasma Interactions Experiment، وهو معجّل (مسرّع)Accelerator  صغير يصدر حزمة من الإلكترونات ستولِّد بدورها الموجات VLF القادرة على إزاحة الجسيمات. ويعتقد ريفز الذي يقود التجربة أن معجل الإلكترونات الصغير قد يثبت في النهاية أنه بمثابة مكنسة تعمل أفضل من هوائي ضخم ذي الترددات VLF . ويقول: <<إذا تحققنا من نجاحه من خلال هذه التجربة، ستكون لدينا ثقة أكبر بكثير في إمكانية زيادة قوته>>.

وقد تفيد تجربة ثالثة في دفع الغلاف الجوي نفسه إلى إثارة موجات مضطربة قد تجذب الإلكترونات. وفي صيف عام 2021، يخطط مختبر الأبحاث  البحرية Naval Research Labo­ratory لإطلاق مهمة تُدعى قياسات فضائية لاضطرابات يحدثها صاروخ Space Measurements of a Rocket-Released Turbulence. سينطلق صاروخ التجارب إلى طبقة الأيونوسفير – وهي طبقة في الغلاف الجوي على بعد مئات الكيلومترات تغمرها الأيونات والإلكترونات – ويضخ فيها 1,5 كيلوغرام من ذرات الباريوم Barium. عندما تتأيَّن ذرات الباريوم بتأثير أشعة الشمس تولِّد حلقة من البلازما المتحركة التي تصدر عنها موجات راديوية: هذه في الأساس نسخة فضائية من الماغنترون Magnetron، وهي الأداة المستخدمة في أفران المَيكروويف.

ومثل هذه المهمات ستساعد على إظهار أي من أنظمة معالجة حزام الإشعاع هي الأجدى، على الرغم من أن التوصل إلى نظام قابل للتشغيل ربما لا يكون متوفراً قبل عدة سنوات. وأيا كانت التقنية المستخدمة، فقد تجلب المخاطر. قد يؤدي التنظيف الشامل للفضاء إلى ضخ قدر كبير مماثل من الطاقة في طبقات الجو العليا مثل العواصف المغناطيسية الأرضية الناتجة من الانفجارات الشمسية في بعض الأحيان. وبالمثل، يمكنها أن تعطل أنظمة ملاحة الطائرات واتصالاتها. وقد تولَّد أكواماً من مركبات أكسيد النيتروجين وأكسيد الهيدروجين التي قد تسبب تآكلً طبقة الأوزون في طبقة الستراتوسفير. وتقول أليسون جاينس Allison Jaynes، الفيزيائية الفضائية من جامعة أيوا University of Iowa: «لا نعرف مدى التأثير».

لكن جاينس تقول إنه إلى جانب الحماية من انفجار نووي، فقد يكون لتقنية المعالجة RBR فوائد مدنية. إذ تبذل الوكالة ناسا ووكالات الفضاء الأخرى منذ فترة طويلة جهوداً لحماية رواد الفضاء من حزامي فان آلن ومصادر الإشعاع الأخرى في طريقهم من أعماق الفضاء وإليها. يمكن استخدام مرسلات الترددات VLF لإزالة الإلكترونات ذات الشحنة العالية مباشرة قبل دخول مركبة فضائية إلى منطقة الخطر. وتقول: «عندما تصير رحلاتنا متكررة إلى الفضاء، قد يوفر لنا هذا ممرًا آمنًا عبر أحزمة الإشعاع».

عن الكاتب

ريتشارد ستون Richard Stone  هو كبير المحررين العلميين في استوديوهات تانغلد بانك Tangled Bank Studios التابعة لمعهد هوارد هيوز الطبي Howard Hughes Medical Institute في تشيفي تشيس بولاية ماريلاند.

© 2020, American Association for the Advancement of Science. All rights reserved.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق