فضاء

أوروبا تتصدر جهود مراقبة الكربون من الفضاء

زيادة ميزانية برنامج كوبرنيكوس التابع لوكالة الفضاء الأوروبية تدفع الأقمار الاصطناعية إلى مراقبة التزامات خفض الكربون بموجب اتفاق باريس للمناخ

بقلم: دانيال كليري

ترجمة: صفاء كنج

في أواخر نوفمبر (2019) فوجئ حتى المتفائلون في وكالة الفضاء الأوروبية

 European Space Agency  (اختصارًا: الوكالة ESA) عندما خصصت لها الحكومات الأعضاء ميزانية قدرها 12.5 بليون يورو على مدار ثلاث سنوات. وهي ميزانية تعد الأكبر على الإطلاق وتزيد بنسبة  20% عن ميزانية السنوات الثلاث السابقة.

بفضل هذا التمويل غير المتوقع، ستصمم الوكالة ESA كبسولة شحن فضائية قابلة لإعادة الاستخدام وستتمكن من دعم محطة الفضاء الدولية International Space Station (اختصارًا: المحطة ISS) حتى عام 2030، وتنضم إلى وكالة الفضاء الأمريكية (اختصاراً: الوكالة ناسا) لجلب عينات من صخور كوكب المريخ.

لكن أحد أكبر الفائزين الذي حصل على 1.8 بليون يورو، بزيادة 29%، هو برنامج كوبرنيكوس Copernicus الذي يدعم أسطولًا من الأقمار الاصطناعية  التي تتعقب باستمرار ملامح الغلاف الجوي للأرض وسطحها، بما في ذلك مستوى سطح البحر والتغيرات التي تطرأ على الغطاء النباتي. وستساعد هذه الأموال أوروبا على توسيع أسطول الأقمار الاصطناعية لمراقبة مصادر ثاني أكسيد الكربون (CO2) ذات المنشأ البشري بوتيرة يومية؛ مما يجعل الوكالة ESA وكالة الفضاء الوحيدة القادرة على رصد التعهدات في إطار اتفاق باريس  Paris accord لخفض غازات الدفيئة. ويقول كريستوفر أوديل Christopher O’Dell، عالم الغلاف الجوي في جامعة ولاية كولورادو Colorado State University بفورت كولينز، إن خطط أوروبا لمراقبة ثاني أكسيد الكربون “لا مثيل لها … والأوروبيون ماضون في هذا”.

لم يتضح السبب وراء هذا التمويل السخي الذي جاد به وزراء 22 دولة أعضاء في الوكالة ESA خلال اجتماع عُقد في أواخر نوفمبر 2019 في إشبيلية بإسبانيا. قد يكون السبب هو أن الاقتصاد الأوروبي أفضل حالاً مما كان عليه قبل ثلاث سنوات، أو لأن مسؤولي الوكالة ESA برعوا في عرض خططهم  على الوزراء والمعنيين الآخرين، كما تقول أثينا كوستينيس Athena Coustenis، عالمة الكواكب في مرصد باريس Paris Observatory ورئيسة لجنة علوم الفضاء الأوروبية European Space Sciences Committee، وهي هيئة استشارية. بغض النظر عن الأمر، فإن المهمة الوحيدة التي لم تتلق تمويلاً كاملاً هي برنامج لاغرانج Lagrange، الذي يضم مجموعة من الأقمار الاصطناعية لمراقبة الطقس الفضائي. وتقول كوستينيس: “لم تعد هناك حاجة لوقف أي برنامج … أنا في حالة صدمة”.

حصلت ميزانية العلوم لدى الوكالة ESA، بعد عقود من الركود، على زيادة بنسبة 10% لتصل إلى 2,8 بليون يورو. وينبغي أن يسمح ذلك للوكالة بدراسة الثقوب السوداء من خلال مهمتين متزامنتين: هما كاشف موجات الجاذبية Gravitational wave detector، ومرصد الأشعة السينية X-ray observatory (Science, 25 October, p. 410). وزادت ميزانية الاستكشاف بمقدار الثلث، مما يعني أن الوكالة ESA يمكنها إطلاق المركبة السيارة إكسومارس ExoMars rover في 2020 – إذا نجحت في حل المشكلات المتعلقة بمظلتي الهبوط على المريخ في الوقت المناسب (Science, 29 November, p. 1061). وستساعد هذه الأموال الوكالة ESA على الانضمام إلى برنامج أرتميس Artemis التابع للوكالة ناسا لإنشاء محطة فضائية في مدار القمر تسمى البوابة Gateway والعمل لإرسال بشر إلى السطح. كما سيغطي التمويل العمل المبدئي الجاري لإرسال مهمة معقدة لجلب عينات من المريخ. وتأمل الوكالة ناسا أن تحذو حذوها في عام 2020 (Science, 22 November, p. 932).

وكان الوزراء أسخياء كذلك مع نظام كوبرنيكوس للأقمار الاصطناعية سنتينيل الذي يرصد الأرض Earth-observing Sentinel satellites. ويوفر هذا المشروع المشترك مع الاتحاد الأوروبي مجموعات من بيانات طويلة الأجل وغير منقطعة للمستخدمين الحكوميين وفي قطاعات الصناعة والأعمال والأكاديميين. إذ تراقب الأقمار سنتينيل الحالية استخدام الأراضي وارتفاع سطح البحر، على سبيل المثال. وتعمل أول ثلاثة أقمار منها حالياً إلى جانب أقمار اصطناعية هي عبارة عن نسخ لها احتياطية. والعمل جارٍ على إطلاق ثلاثة أقمار سنتينيل أخرى. يقول مارتن فيسبيك Martin Visbeck من مركز غيومارهلمهولتز GEOMARHelmholtz لأبحاث المحيطات في مدينة كيل بألمانيا ورئيس اللجنة الاستشارية لمراقبة الأرض Advisory Committee for Earth Observation التابعة للوكالة ESA: عندما يتعلق الأمر بمراقبة الأرض، فإن “أوروبا لديها الأسطول الأكثر قدرة في المدار”.

تضمن زيادة التمويل تمكين الوكالة ESA من المضي قدمًا في خطط طموحة لإطلاق مجموعة أخرى من ستة أقمار سنتينيل مرشحة لذلك، من بينها مهمة مراقبة ثاني أكسيد الكربون. ففي فترة قريبة من صدور ميثاق باريس للمناخ عام 2016، أشار الاتحاد الأوروبي إلى وجود حاجة للتحقق من الميزانيات الوطنية للكربون من السماء، المستندة إلى الإفصاحات من بواعث معروفة مثل محطات الطاقة ومصانع الأسمنت. استجابة لذلك، أعادت الوكالة ESA إحياء خطط القمر الاصطناعي كاربونسات CarbonSat، الذي لم يحظ بنافذة إطلاق في عام 2015، ورُقي إلى قمر اصطناعي ضمن سنتينيل للمراقبة مهمته البحث عن إشارات الامتصاص الطيفي لثاني أكسيد الكربون Spectral absorption signals of CO2 في أشعة الشمس تحت الحمراء المنعكسة عن سطح الأرض.

بفضل التمويل الجديد، يمكن إطلاق قمر سنتينيل ثاني أكسيد الكربون CO2 Sentinel في أقرب وقت ممكن عام 2025، مما يجعل أوروبا في وضع يمكنها من المساهمة في إحصاء الانبعاثات التي ينص اتفاق باريس على ضرورة إجرائه كل خمس سنوات ابتداءً من عام 2023. يقول فيسبيك إن ثاني أكسيد الكربون هو “كمية نحتاج إلى مراقبتها لسنوات مقبلة”. ويبدو أن الوزراء الذين تجمعوا في إشبيلية شاركوه هذا الشعور بضرورة التحرك العاجل. ويقول جوزيف آشباخر Josef Aschbacher، مدير مراقبة الأرض في الوكالة ESA في فراسكاتي بإيطاليا: “الحكومات تحوِّل فعلاً الكلام إلى أفعال”. لكن ربما لا تكون دوافعها منزَّهة تمامًا عن أي مصلحة ذاتية، لأن عقود كوبرنيكوس موزعة بين الدول الأعضاء بما يتماشى مع مساهماتها. ويقول آشباخر: “إنها فرصة فريدة لإعلاء مكانة صناعتك الوطنية لعقود مقبلة”.

أدت الوكالة ناسا دورا رائدا في الجهود المبذولة لتتبع ثاني أكسيد الكربون من الفضاء من خلال مرصد الكربون المداري-2 Orbiting Carbon Observatory-2  (اختصاراً: المرصد OCO-2) الذي أطلق في عام 2014. لكن المرصد OCO-2  أخذ عينات من مساحة ضيقة، وكان يعود إلى رصد كل نقطة على الأرض خلال أسابيع، كما صُمم ليعمل لمدة عامين ليس إلا. أما القمر الاصطناعي الصيني TanSat الذي يتتبع حالياً ثاني أكسيد الكربون، والقريب في تصميمه من المرصد OCO-2، فيواجه مشكلات في معايرة أدائه. و المرصد OCO-3 الذي أطلق في 2019 وألحق بالمحطة الفضائية، هو مهمة بحثية أخرى عمرها قصير؛ وليس لدى الولايات المتحدة الأمريكية خطط للمتابعة عبر نظام تشغيلي فعلي لمراقبة الكربون. ويقول أوديل: “إنه لمن المحبط النظر إلى الأمور من الولايات المتحدة … لقد فقدنا دورنا القيادي في هذا القطاع”.

ستعمل مهمة الوكالة ESA على تتبع الكربون طوال 20 عامًا، مع ما يصل إلى ثلاثة أقمار اصطناعية متطابقة تفحص مساحات شاسعة بعرض 300 كيلومتر تغطي كامل الكرة الأرضية. وستعاين المهمة كل نقطة على الأرض كل بضعة أيام وتلتقط صور أعمدة الانبعاثات المتغيرة التي تصدرها محطات الطاقة الفردية. ويقول مايكل بوكويتز Michael Buchwitz  أحد مستشاري المشروع في جامعة بريمن University of Bremen بألمانيا: “نحن ننتقل من بعد واحد إلى بعدين”. وفي خطوة متقدمة مقارنة بمقترح كاربونسات CarbonSat الأصلي، ستساعد سنتينيلات ثاني أكسيد الكربون CO2 Sentinels أيضًا على تحديد مصادر الانبعاثات من خلال اكتشاف أكاسيد النتروجين الناجمة عن احتراق الوقود الأحفوري، وستحتوي على مجسات للسحب والهباء الجوي لتحسين الدقة.

 إن ميزانية الاتحاد الأوروبي لمدة سبع سنوات مقبلة، التي تجري مفاوضات بشأنها حالياً، قد تحدد ما إذا كانت المهمة ستحقق إمكاناتها الكاملة. فالوكالة ESA مسؤولة فقط عن أول قمر سنتينيل من كل نوع، في حين يغطي الاتحاد الأوروبي تكاليف النسخ الاحتياطية. وكمستخدم للبيانات، سيمول الاتحاد الأوروبي أيضًا شبكة من أجهزة الاستشعار الأرضية لمعايرة قياسات الكربون التي ترسلها الأقمار الاصطناعية وكذلك جهود معالجة البيانات والنمذجة. يقول بوكويتز إن “الأقمار الاصطناعية عناصر أساسية” في المهمة. ولكن هناك أيضًا “الكثير” من العمل، وفق تعبيره.

ويقول أوديل: “إذا واصلت أوروبا تعزيز جهودها في رصد الكربون، فستكون بمثابة نعمة للعلماء وكذلك لصانعي السياسات”. وستساعد قراءات الأقمار الاصطناعية سنتينيل عالية الدقة العلماء على ضبط نماذجهم حول الكيفية التي يتدفق بها ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. ويضيف أوديل قائلا إن المهمات قد تجذب مزيداً من العلماء إلى هذا المجال الذي لا يزال متواضعا، و”ستستقطب بذلك المزيد من العقول”.

© 2020, American Association for the Advancement of Science. All rights reserved.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق