كيمياء

جائزة نوبل في الكيمياء تذهب لتطوير بطاريات الليثيوم

ربما تحمل دليلا على جائزة نوبل في جيبك. فقد ذهبت جائزة نوبل للكيمياء لهذا العام (2019) إلى رواد بطارية أيون الليثيوم Lithium-ion battery، وهو اختراع صار منتشرًا في كل مكان في جميع الإلكترونيات اللاسلكية التي تُدير الحياة العصرية: هاتفك وجهاز الحاسوب المحمول وأحيانًا سيارتك. مع مزيد من المعالجة، ربما تمهد بطاريات أيون الليثيوم -الأخف وزنا والأصغر حجما من بطاريات الرصاص والنيكل والكادميوم التي كانت سائدة في الأمس- طريقًا لتخزين الطاقة لتشغيل المنازل والطائرات وحتى الشبكة الكهربائية.

قُسِّمت الجائزة التي تبلغ قيمتها 900 ألف دولار بين ثلاثة علماء: ستانلي ويتنغهام Stanley Whittingham، من جامعة ولاية نيويورك  State University of New York  في بينغامتون، وجون غوودِنوف John Goodenough، من جامعة تكساس University of Texas  في أوستن، وأكيرا يوشينو Akira Yoshino  من شركة أساهي كاسي Asahi Kasei Corporation في طوكيو.

وقال يانغ شاو هورن  Yang Shao-Horn  من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا  Massachusetts Institute of Technology  في كيمبريدج: «لقد أثرت بطاريات الليثيوم أيون تأثيراً هائلاً في مجتمعنا. أنا سعيد جدا».

مثل جميع البطاريات الأيونية السائلة، فإن بطاريات أيون الليثيوم تحتوي على قطبين – أنود Anode وكاثود  Cathode-  مفصولين بسائل الإلكتروليت Electrolyte الذي يسمح للأيونات بالتحرك ذهابًا وإيابًا. أثناء تفريغ الشحنة Discharge، تطلق مخازن ذرات الليثيوم الموجودة في الأنود الإلكترونات لتوليد تيار كهربائي لدائرة خارجية External circuit . تتدفق أيونات الليثيوم موجبة الشحنة في الإلكتروليت، في حين تعود الإلكترونات بعد أداء عملها إلى الكاثود، حيث تُمتص، عادة بواسطة مواد من أكاسيد فلزية. وتتدفق أيونات الليثيوم نحو ذرات الفلز في الكاثود. أما الشحن؛ فيعكس التدفق، ويدفع أيونات الليثيوم للإفلات من ذرات الفلز والعودة إلى الأنود.

في سبعينات القرن العشرين، كان ويتنغهام واحدا من أوائل من أدركوا إمكانات الليثيوم، وهو عنصر فلزي له إلكترون حر في مداره الخارجي ويتخلى عنه بسهولة. لكن هذا أيضًا يجعل الليثيوم شديد التفاعل: سيشتعل -وينفجر أحيانًا- عند تعرضه لجزيئات الماء في الهواء. أثناء عمله في شركة إكسون Exxon، اكتشف ويتنغهام أن ثاني كبريتيد التيتانيوم Titanium disulfide سيعمل بشكل جيد ككاثود: إذ يمكن لأيونات الليثيوم إدراج نفسها داخل طبقات هيكله. وفي عام 1976، عرض ويتنغهام بطارية تعمل بقوة 2.5 فولت. لكن مع مرورها بدورات شحن متعددة، نمت زوائد من ترسبات الليثيوم وتشعبات في جميع أنحاء الإلكتروليت. عندما وصلت الترسبات إلى الكاثود، في بعض الأحيان وقع تماس كهربائي في البطارية؛ مما تسبب في نشوب حرائق.

وتولي غوودِنوف -الذي كان حينها يعمل في جامعة أكسفورد University of  Oxford  بالمملكة المتحدة- هذه المهمة. فقد أدرك أن بإمكان الكاثود امتصاص المزيد من الإلكترونات العائدة إذا كان مصنوعًا من أكسيد فلز بدلاً من كبريتيد فلز. كانت هذه المركبات أيضًا ذات طبقات ولم تتوسع أو تتقلص بشكل كبير عند امتصاص أو إطلاق أيونات الليثيوم. ووجد غوودِنوف أن أكسيد الكوبالت يعمل بشكل جيد، وفي عام 1980، نشر نتائج أبحاثه على بطارية بقوة 4 فولت، أي نحو ضعف قوة بطارية ويتنغهام.

كان الباحثون في اليابان يرصدون البطاريات التي قد تساعد على تقلص الأجهزة اللاسلكية (ظهر مسجل سوني واكمان Walkman لأول مرة في عام 1979). وقد أسهم يوشينو مساهمة ضخمة: فقد وجد طريقة لتطوير أنود لم يكن مصنوعًا من الليثيوم النقي، مع قابليته للتشعبات المتنامية. وبعد تجربة مواد مختلفة، وجد أنه يستطيع تضمين أيونات الليثيوم في طبقات من الكربون في فحم الكوك البترولي Petroleum coke، وهو منتج ثانوي من الصناعة النفطية. وماثل أداء بطارية يوشينو لبطارية غوودِنوف، لكنها كانت أكثر أمانًا، وقد تعيش لمئات من دورات الشحن. في عام 1991، بدأت شركة يابانية في بيع أول بطاريات تجارية من أيون الليثيوم.

من خلال أعمال الفائزين بالجائزة «تمكنا من الوصول إلى ثورة تكنولوجية: إلكترونيات محمولة حقًا»، كما قالت سارة سنوغروب لينزي Sara Snogerup Linse  من جامعة لوند Lund University  في السويد.

غوودِنوف -في السابعة والتسعين من العمر- هو أكبر من تلقى جائزة نوبل سنا. فقد كان مسافرا عندما تلقى خبر الجائزة. وعندما سئل في مؤتمر صحفي في لندن عن عودته إلى مختبره في تكساس، قال:«آمل أن يبقوني موظفا لديهم».

تساءل الباحثون لسنوات عما إذا كانت التكنولوجيا ستحصل على جائزة العلوم الأكثر شهرة ومتى. أخبر ويتنغهام مجلة ساينس Science: «إلى حد ما كانت مفاجأة. اعتقدت أنهم نسونا».

وفي الواقع، وصفت شاو-هورن Shao-Horn  إسباغ الشرف بأنه«جاء متأخرا ». وأضافت: «هذا الحقل لم يصل بعد إلى أقصاه. هناك الكثير من التحديات الأخرى التي تواجهنا».

و يواصل الباحثون تجربة الوصفات الكيميائية الخاصة بالأنود والكاثود والإلكتروليت لتعزيز طاقة البطارية ومتانتها. وحاليا، تُخزَّن أيونات الليثيوم عادة في إطار أنود من الغرافيت Graphite، لكن بعض الباحثين يعملون على أنودات مصنوعة من السيليكون، وهي قد تخزِّن كميات أكبر بكثير من أيونات الليثيوم. في حين يدرس آخرون مواد الكاثود المختلفة. فالكبريت مرشح واعد لأنه أرخص من أكاسيد الفلزات ويمكنه تخزين المزيد من الإلكترونات – إذا تمكن الباحثون من الحيلولة دون تفاعل الكبريت مع أيونات الليثيوم. يُعتقد أن بطاريات الليثيوم الهوائية، التي تعتمد على الأكسجين في الغلاف الجوي لأكسدة الليثيوم في الكاثود، هي حل آخر من الحلول الواعدة الأخرى.

إذا تمكن العلماء من إيجاد التوازن الصحيح بين السعة والتكلفة والحجم والوزن؛ فإن البعض يعتقد أن هذه الأنواع المستقبلية من بطاريات الليثيوم قد تشكل أساسًا لشبكة كهربائية خضراء؛ مما يوفر تخزين الطاقة المستمدة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح عندما يكون إنتاج هذه المصادر المتجددة في ذروته – تطلق البطاريات طاقتها عندما يسدل الليل أستاره وتسكن الرياح. وقال يوشينو في مؤتمر صحفي: «أعتقد أن هذا على الأرجح سيكون أكبر مساهمة في مشكلة الاستدامة البيئية».

إعلان نوبل للعلوم لعام 2019 يعني أن جميع الفائزين التسعة في الفيزياء والكيمياء والفسيولوجيا أو الطب، هم من الذكور هذا العام؛ مما يزيد من الفجوة بين الجنسين في أهم جائزة علوم في العالم. فمن بين 616 جائزة نوبل مُنحت منذ عام 1901 في ثلاثة مجالات، ذهبت 20 جائزة فقط للنساء (3.25%). وصارت الفجوة موضع نقد متزايد؛ إذ رأى تحليل إحصائي نُشر في شهر مايو 2019 أن انخفاض أعداد النساء لا يعزى إلى كونهن أقل أداءً لكن نتيجة إلى التحيز.

©sciencemag.org

 

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق