الطب وصحة

دواء لعلاج فقر الدم المنجلي يثير الآمال والشكوك

إدارة الغذاء والدواء الأمريكية تسرِّع إجراءات مراجعة دواء منتظر بفارغ الصبر، قبل إثبات فائدته إكلينيكيّاً

بقلم: ميريديث وادمان

ترجمة: صفاء كنج

يفترض أن يكون الإعلان عن اكتشاف دواء جديد لعلاج مرض فقر الدم المنجلي Sickle cell disease  مصدراً للارتياح لا سيما أنه مرض وراثي خطير يصيب نحو 100,000 شخص في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها وليس له علاج فعال. ولكن، بدلاً من ذلك، فقد أُثار تسريع إجراءات استصدار موافقة رسمية على طرح دواء فوكسيلوتور Voxelotor جدلاً حول جهود إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (اختصارًا: الإدارة FDA) في تقييم علاج للمرضى هم بأَمسِّ الحاجة إليه.

وخلال شهر سبتمبر 2019 كشفت شركة غلوبال بلاد ثيرابوتيكس Global Blood Therapeutics  (اختصارًا: الشركة GBT) التي أعدت دواء فوكسيلوتور ومقرها في جنوب سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا، أن الإدارة FDA باشرت «مراجعة مستعجلة» للدواء الجديد الذي يؤثر مباشرة في البروتين المحوَّر المسبب للمرض. وأعطت الإدارةُ الأمريكيةُ الأولويةَ للمضي في إجراءات الموافقة ولا تخطط لاستشارة مجموعة من الخبراء الخارجيين بشأن هذه المسألة قبل المهلة النهائية في 26 فبراير 2020. ويتوقع منتقدو الدواء أن تعطي الإدارة FDA ضوءاً أخضر للدواء الجديد، ويرَون أن هذه الموافقة إن صدرت فستكون سابقة لأوانها. فالدواء يحسِّن العلامات أو نقاط النهاية «البديلة» “Surrogate” endpoints التي يمكن من خلالها قياس فعالية الدواء في الاختبارات المختبرية، لكن لم يثبت بعد أنه يخفف من أعراض المرض. وبهذا الصدد يسأل روبرت كروز Robert Kruse ، اختصاصي علم الأمراض من مستشفى جونز هوبكنز Johns Hopkins Hospital في بالتيمور بماريلاند، الذي يعالج مرضى الخلايا المنجلية: «لماذا نوافق على دواء لم تثبت فائدته المجدية إكلينيكيّاً؟»

نشأ مرض خلايا الدم المنجلية في إفريقيا، حيث يُقدر أنه يتسبب في الموت المبكر لنحو 50% إلى 90% من ملايين الأشخاص الذين ولدوا وهم مصابون به. وينجم المرض عن طفرة في جزيء الهيموغلوبين وهو البروتين الذي يحمل الأكسجين داخل خلايا الدم الحمراء. وبينما تكون خلايا الدم الحمراء الطبيعية مرنة بما فيه الكفاية لتنكمش وتعبر إلى الأوعية الدموية الشعرية الصغيرة، تجعل الطفرة الهيموغلوبين يتراكم على شكل عصيَّات صلبة تعطي الخلايا شكل المنجل؛ تتكدس هذه الخلايا المنجلية فتسدُّ الأوعية الدموية وتسبب نوبات من الألم الشديد تسمى أزمات انسداد الأوعية الدموية Vaso-occlusive crises. إضافة إلى ذلك، تكون الخلايا المريضة هشة وعرضة لأن تتهشم، مسببة فقر الدم الذي يؤدي على المدى الطويل إلى حرمان أعضاء الجسم من الأكسجين. وهذا  يؤدي بدوره إلى مشكلات خطيرة، مثل الفشل الكلوي والسكتات الدماغية، وفي كثير من الأحيان إلى الموت المبكر.

يرتبط دواء فوكسيلوتور بالهيموغلوبين المتحوِّر. ومن خلال زيادة انجذابه للأكسجين وارتباطه به، فإن ذلك يحول دون تراكمه. (وحده الهيموغلوبين غير المؤكسد يؤدي إلى تشكل الخلايا المنجلية). في شهر يونيو 2019، نشرت مجلة نيو إنغلند جورنال أوف مديسين The New England Journal of Medicine (اختصارًا: المجلة NEJM) نتائج تجربة اكلينيكية من المرحلة الثالثة شملت 274 من مرضى الخلايا المنجلية، أحدث الدواء تحسينات كبيرة في مستويات هيموغلوبين الدم لديهم وفي قياسين لمستوى تدمير خلايا الدم الحمراء على مدى 24 أسبوعاً. لكنه فشل في الحد بشكل كبير من أزمات انسداد الأوعية الدموية المؤلمة. ويقول تيد لوف Ted Love، الرئيس التنفيذي للشركة التي طوّرت الدواء، إن التجربة التي نُشرت نتائجها كانت قصيرة جدّاً وكان عدد المرضى فيها أقل من اللازم لإظهار تراجع مهم من الناحية الإحصائية في عدد حدوث مثل هذه الأزمات.

لكن آشلي فالنتاين Ashley Valentine، الشريكة المؤسِّسة لجمعية الخلايا المنجلية Sick Cells المدافعة عن حقوق المرضى ومقرها في نابرفيل بولاية إلينوي، ترى أن «الإدارة FDA تفعل الشيء الصحيح تماماً» من خلال تسريع إجراءات مراجعة الدواء الجديد. وتضيف إن هذا الدواء «سيحدث تغييراً كبيراً» لأنه يعالج المرض من أساسه. (انضمت آشلي فالنتاين التي يعاني أخوها مرض الخلايا المنجلية في عام 2019 إلى المجلس الاستشاري المجتمعي لدى شركة  GBT، وحصلت على 1000 دولار لحضور اجتماع في أغسطس 2019).

تسمح لوائح الإدارة FDA بالموافقة على دواء اعتماداً فقط على نقاط النهاية البديلة إذا كان يعالج حاجة طبية غير مستوفاة وكانت الحالة الطبية خطيرة. وفي السنوات الأخيرة زاد عدد الموافقات المماثلة التي أصدرتها هذه الإدارة. ولكن في الماضي كان يُشترط أن تقلل أدوية الخلايا المنجلية من عدد الأزمات المؤلمة من أجل الحصول على الموافقة، في حين يقول المشككون بدواء فوكسيلوتور إن بياناته ببساطة غير مقنعة، ويقول كروز: «هناك قول شهير في الطب: لا تعالج الأرقام، عالج المريض. يبدو هنا وكأننا نعالج رقماً وليس المريض».

ويرد إليوت فيتشينسكي Elliott Vichinsky، اختصاصي أمراض دم الأطفال من جامعة كاليفورنيا University of California في سان فرانسيسكو، ومستشفى بينيوف للأطفال Benioff Children’s Hospital في أوكلاند، والمحرر الأول للمقالة التي نُشرت في  المجلة NEJM مؤكداً أن «المتطلبات الصارمة التي تستوجب أن تستند نتائج [التجارب على دواء] الخلايا المنجلية إلى نوبات الألم هي متطلبات ضيقة الأفق». (فيتشينسكي مستشار لدى الشركة GBT).

وتضيف أليكسيس تومسون Alexis Thompson، اختصاصية أمراض الدم في كلية فاينبرغ للطب Feinberg School of Medicine من جامعة نورث وسترن Northwestern University في شيكاغو بإلينوي، إن «تلف الأعضاء هو المساهم الأساسي في الوفيات المبكرة» لدى مرضى الخلايا المنجلية. وتقول مادامت أن تأثيرات الدواء في الهيموغلوبين تمنع تشكل الخلايا المنجلية، فإنه «سيقلل على الأرجح من اعتلال الأعضاء على المدى الطويل». ومع ذلك، تضيف قائلةً: «إجابتي في هذه المرحلة متحفظة إلى حدٍّ ما. أنا بالتأكيد أتطلع إلى أن تُجرى تجارب إكلينيكية إضافية على الدواء».

ويبدي باحثون آخرون قلقاً بشأن الآثار الجانبية غير الملحوظة. فمن خلال جعل الهيموغلوبين المتحوِّر يرتبط ارتباطًا وثيقاً بالأكسجين، يمكن للدواء أن يمنع وصول الأكسجين إلى الدماغ ويؤدي إلى سكتات دماغية “صامتة” هي في الأساس من المخاطر التي يواجهها المصابون بمرض الخلايا المنجلية بالفعل، مثلما يجادل عالم أمراض الدم روبرت هيبيل Robert Hebbel من كلية الطب في جامعة مينيسوتا University of Minnesota Medical School  في مينيابوليس. ويشير هيبيل إلى أن تجربة المرحلة الثالثة لم تشمل الفحوص العصبية الشاملة المطلوبة للكشف عن مثل هذه  السكتات. وما زال بإمكان الإدارة FDA أن تطلب إلى خبراء خارجيين مراجعة دواء فوكسيلوتور. وعندما تُمنح الموافقات بناءً على نقاط النهاية البديلة، تطلب الإدارة FDA إلى الشركات إجراء تجارب إضافية لإثبات أن الدواء يفيد المرضى إكلينيكيّاً. فإذا فشلت التجارب؛ يمكن للإدارة سحب الموافقة.

ويؤكد آرثر كابلان Arthur Caplan، اختصاصي الأخلاقيات الحيوية من كلية الطب بجامعة نيويوركNew York University’s School of Medicine  في مدينة نيويورك، أن هذه المتابعة ضرورية. إنه يتفهم الحاجة الملحة التي تجعل الإدارة FDA توافق على مزيد من الأدوية لعلاج «مرض خطير ورهيب. … لكنك تغامر عندما تتصرف على عجل. وكلما تساهلت في تجاوز الخطوات التنظيمية، عَظُمَ حجم الواجب المُلقى عليك في مراقبة مرضاك عن قرب، حقّاً عن قرب».

sciencemag.org

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق