الطب وصحة

بعوض معدَّل جينياً يثير الجدل

تنقل أجزاء من حمضها النووي إلى البعوض المحلي

بقلم: كيلي سرفيك

ترجمة: صفاء كنج

على مدى عشر سنوات اختبرت شركة أوكسيتك Oxitec إمكانية قضاء البعوض المعدل جينياًّ Genetically modified (اختصارًا: البعوض GM) على أسراب البعوض المنتشر بصورة طبيعية في محيط ما، والذي يحمل فيروسات مدمرة مثل فيروس الزيكا Zika وحمى الضنك. وتمثلت استراتيجيتها بنشر ذكور (غير قادرة على اللسع) من سلالة البعوض أيديس آيجيبتي (الزاعج المصري)Aedes aegypti  تحمل جيناً يقضي على معظم ذريتها قبل أن تصل إلى مرحلة البلوغ.

ولكن فريقاً من الباحثين المستقلين، الذين يحللون حاليّاً تجربة مبكرة لتقنية أوكسيتك، نشر تقريراً مُنذراً في منتصف سبتمبر 2019 على موقع ساينتيفيك ريبورتس Scientific Reports أثار غضب الشركة مفاده أن بعضاً من ذرية البعوض GM عاش وأنتج ذرية بعد أن بلغ ونضج جنسيّاً. ونتيجة لذلك، ورث البعوض المحلي أجزاء من جينومات البعوض GM. ولكنهم يتفقون مع الشركة على أنه لا يوجد دليل على أن هذا البعوض الهجين يعرض البشر للخطر أكثر من البعوض البري أو أنه سيقوض فعالية استراتيجية أوكسيتك. ويقول عالم الوراثة السكانية جيفري بأول Jeffrey Powell من جامعة ييل Yale University، الذي أجرى الدراسة مع باحثين برازيليين: «الأمر المهم هو أن شيئاً غير متوقع قد حدث… عند تخليق سلالات محوَّرة جينيا أو أي شيء لإطلاقه في الطبيعة، تأتي كل معلومات (الباحثين) تقريباً من الدراسات المختبرية. … الأمور لا تأتي دائماً كما تتوقعها».

لكن اقتراح التقرير بأن هذا الخليط الوراثي قد يجعل أسراب البعوض «أقوى» بمعنى أن تصير أكثر مقاومة للمبيدات الحشرية، على سبيل المثال، أو أكثر قدرة على نقل الأمراض، دفع إلى نشر تقارير إخبارية معارضة للتعديل الجيني وولَّد ردة فعل عنيفة من بعض العلماء، ووضع أوكسيتك في موقف دفاعي. لأن ذلك قد يعرض مصالح أوكسيتك للخطر، وهي إحدى الشركات التي تمتلكها شركة إنتريكسون Intrexon الأمريكية للتكنولوجيا الحيوية. ولقد قدمت أوكسيتك مؤخراً تقريراً عن جيل جديد من البعوض GM لمراجعة الجهات التنظيمية في الولايات المتحدة وتأمل بإجراء أول اختبار ميداني لها في عام 2020.

يقول نايثن روز Nathan Rose، مسؤول قسم الشؤون العلمية والتنظيمية من أوكسيتك في أكسفورد بالمملكة المتحدة: «لم نفاجأ بالنتائج، لكن ما فوجئنا به هو تكهنات مُعدِّي التقرير». وأضاف أن الشركة طلبت إلى نيتشر ريسرْش Nature Research الناشر المسؤول عن ساينتيفيك ريبورتس «تصحيح المعلومات التي تنطوي على تضليل وتكهنات». وفي منتصف سبتمبر 2019 نشر الموقع ملاحظة من المحرر قال فيها إن استنتاجات التقرير “أثارت انتقادات ينظر فيها المحررون».

حتى قبل إطلاق شركة أوكسيتك أسرابا تجريبية من البعوض GM في البرازيل وماليزيا وجزر كايمان، كانت تعلم أن الجين المُدخل لم يكن لا محالة قاتلاً، إذ أظهرت الاختبارات المختبرية أنه عند تزاوج الذكور GM بالإناث البرية، نجا نحو 3% من ذريتها، ويقول روز: «لقد كنا واضحين جداً بهذا الشأن».

يقول باول إن ما لم يكن واضحاً هو ما إذا كان هذا النسل الناجي النادر الذي يكون أغلبه مريضاً في المختبر، قادراً على إنجاب ذرية. وليعرف بأول ما إذا كان البعوض الناجي قادراً في البرية على البلوغ ونشر الحمض النووي الذي يحمله، اتصل بالمتعاونين مع أوكسيتك عشية تجربة ميدانية كبيرة في مدينة جاكوبينا البرازيلية. وقد أطلقت أوكسيتك نحو 450 ألف من ذكور البعوض GM في الأسبوع، من عام 2013 إلى عام 2015، هناك. وقالت الشركة إن أسراب البعوض هذه خفَّضت إجمالي عدد البعوض بنحو 90% في تلك المنطقة. جمع باول ومعاونوه البعوض من عدة مناطق وعبر فترات مختلفة، قبل وأثناء وبعد ثلاثة أشهر من التجربة. ويقدر هؤلاء الباحثون أن ما بين 5% و60% من الحشرات كان لديها بعض الحمض النووي من سلالة أوكسيتك في جينومها، ووجدوا ما يصل إلى نحو 13% من الجينوم في حالة واحدة.

يقول جيْسون راسغون Jason Rasgon، عالم الحشرات في جامعة ولاية بنسلفانيا Pennsylvania State University في ستيْت كوليدج، والذي يدرس الأمراض التي تنقلها الحشرات، إن الاكتشاف الجيني مهم. ويضيف قائلًا: «لكن أعتقد أن هناك عدداً من الأمور غير المسؤولة والمبالغ فيها بشكل كبير حول التقرير المنشور». وليست لدى راسغون أي صلة مالية بأوكسيتك، ويقول إنه كان يتعين على المؤلفين التأكيد على أنهم لم يعثروا على أي بعوض يحمل جينات أوكسيتك المحورة، في إشارة إلى الجينَين المدخلين على البعوض Aedes aegypti  الذي أُطلِق لغرض قتل الذرية وترك علامة فلورسنتية تدل على أن البعوض معدل جينيّاً. والحمض النووي منقوص الأكسجين DNA الذي عثر عليه في أسراب البعوض في جاكوبينا كان يحمل “الخلفية” الوراثية لبعوض أوكسيتك، وهو نتيجة تزاوج بين سلالتين من كوبا والمكسيك.

يواجه راسغون، مثل أوكسيتك، مشكلة مع ما يؤكده موقع ساينتيفيك ريبورتس بأن الخلط بين جينومين جعل «على الأرجح» أسراب البعوض أقوى من خلال زيادة تنوعها الجيني. («فشل تجربة البعوض GM الضابطة قد تكون قوَّت الحشرات البرية»: هذا ما جاء في أحد العناوين الإخبارية إثر نشر التقرير)، ويقول باول: «لا نعلم أن هذه هي الحال هنا، لكننا نعرف أن هذه الحشرات هي مزيج هجين من ثلاث سلالات». لكن فريقه لم يختبر ما إذا كان البعوض الهجين أكثر مقاومة للمبيدات الحشرية أو أكثر قدرة على نقل الأمراض. ويقول روز إن أيّاً من هذا لم يكن صحيحاً بالنسبة إلى بعوض أوكسيتك نفسه.

ويشعر راسغون بالقلق من أن تقرير ساينتيفيك ريبورتس أذكى  شكوكاً لا أساس لها حول الكائنات المعدلة وراثيّاً. وقد واجهت أوكسيتك في السابق معارضة من السكان لدى اقتراحها إطلاق بعوض GM في فلوريدا، ويقول راسغون: «لا أعتقد أنه ينبغي سحب التقرير. ولكن يجب تقديم نوع من التوضيح أو إصدار بيان أو شيء ما».

أعدت سلالة أوكسيتك الأخيرة من البعوض GM لنشر الجين المميت بفعالية أكبر. بدلاً من قتل صغار البعوض بغض النظر عن جنسها، يقضي البعوض المعدل على الإناث فقط. وتبقى ذرية النسل المعدل من الذكور على قيد الحياة لتمرير الجينات المُميتة. وفي تجربة ميدانية في البرازيل تسبب الجيل الثاني من هذا البعوض في تراجع البعوض المحلي بنسبة تصل إلى 96%، حسبما أعلنت أوكسيتك في يونيو 2019 . وفي منتصف سبتمبر 2019 أتاحت وكالة حماية البيئة الأمريكيةEnvironmental Protection Agency  المجال لمدة شهر لإرسال التعليقات العامة على اقتراح الشركة إطلاق البعوض GM في فلوريدا وتكساس.

sciencemag.org

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق