علوم الكمبيوتر

اختبارات تقيس التقدم المحرَز في الحواسيب الكمومية

يقترح المصممون معايير ومقاييس لآلات ربما يستفاد منها مستقبلا

بقلم: أدريان تشو

ترجمة: صفاء كنج

عند قياس أداء حاسوب فائق الأداء يلجأ علماء الحاسوب إلى أداة قياسية تتمثل في مجموعة من الخوارزميات تُسمى LINPACK algorithms  لاختبار مدى سرعة آلة ما في حل مسائل تتضمن عددا هائلا من المتغيرات. أما بالنسبة إلى الحواسيب الكمومية التي قد تحل في يوم من الأيام بعض المشكلات التي ترهق كاهل الحواسيب التقليدية، فإنها تفتقد إلى هذا المعيار القياسي.

يتمثل أحد أسباب ذلك في أن الحواسيب التي تهدف إلى تسخير قوانين ميكانيكا الكم لتسريع بعض عمليات الحوسبة لا تزال بدائية، مع تصاميم مختلفة جذريًّ ومتضاربة فيما بينها. وفي بعضها تُكون البتات الكمومية Quantum bits، اختصارًا: الكيوبتات Qubits، اللازمة للحوسبة مُدمجةً في سلاسل الأيونات المحاصرة المغزلية  Spin of strings of trapped ions، في حين تعتمد أخرى على قطع من المعدن الفائق التوصيل الذي يرن مع الموجات الميكروية. ويقول سكوت آرونسون Scott Aaronson، عالم الحاسوب بجامعة تكساس University of Texas  بأوستن، إن مقارنة البنى الجنينية لهذه الحواسيب: «تشبه إلى حد ما زيارة حضانة أطفال لتقرير أي من الأطفال الصغار سيكون يوماً ما نجماً في كرة السلة».

ومع ذلك، يُجري الباحثون محاولات أولية لقياس قدرات الحواسيب الكمومية. وفي الأسبوع الماضي عرضت مارغريت مارتونوسي Margaret Martonosi، عالمة الحاسوب في جامعة برينستون Princeton University، وزملاؤها مقارنة مباشرة تفصيلية بين الحاسوب الكمومي من شركة IBM ومن شركة ريغيتي كومبيوتنغ Rigetti Computing من بيركلي بولاية كاليفورنيا ومن جامعة ماريلاند University of Maryland (اختصارًا: جامعة UMD)في كوليدج بارك (انظر: شرح جدول المقارنة). وأجرى حاسوب الجامعة UMD الذي يستخدم أيونات محصورة Trapped ions، أكثر من 12 اختباراً خوارزميّاً بدقة أكبر من الأجهزة الأخرى الفائقة التوصيل، وفق الفريق الذي عرض نتائجه خلال الندوة الدولية حول هندسة الحاسوب International Symposium on Computer Architecture التي عقدت في فينيكس. ويتوقع كريستوفر مونرو Christopher Monroe، الفيزيائي في جامعة UMD ومؤسس شركة أيونكيو IonQ، أن تكون هذه المقارنات هي المعيار. ويقول مونرو: «تمنحك خوارزميات الحلول الحسابية هذه إجابة بسيطة – هل نجح الأمر أم لا؟» ولكن حتى مارتونوسي تحذر من المبالغة في التوصل إلى استنتاجات بناءً على الاختبارات. وفي الواقع، يؤكد التحليل مدى صعوبة مقارنة الحواسيب الكمومية، الأمر الذي يترك مجالًا للمصممين لاختيار مقاييس ترجح الكفة لصالح أجهزتهم.

ويعالج الحاسوب التقليدي بتات المعلومات المُرمَّزة في الترانزستورات Transistors التي يمكن تشغيلها أو إيقاف تشغيلها لتمثيل صفر أو واحد. أما الكيوبت؛ فيمكن ضبطه على صفر وواحد في الوقت نفسه، على سبيل المثال، عن طريق ترميزه في أيون قد يغزل إلى الأسفل مقابل الصفر وإلى الأعلى مقابل الواحد، أو في كلا الاتجاهين في وقت واحد. وتمكِّن الكيوبتاتُ الجهازَ من معالجة العديد من المدخلات في وقت واحد بدلاً من مدخل واحد تلو الآخر في كل مرة. ولكن القوة الحقيقية للجهاز لا تأتي من خلال هذا التوازي الهائل، وإنما تكمن في المسائل التي يمكن فيها ترميز الحلول الممكنة في الموجات الكمومية التي تنتقل بسرعة وصخب بين الكيوبتات. وبعدها تتداخل الموجات حتى تُطرح الحلول الخطأ ويظهر الحل الصحيح.

 سيكون الحاسوب الكمومي قادراً، على سبيل المثال، على فك مخططات تشفير الإنترنت استناداً إلى احتساب أعداد ضخمة، وهي مشكلة صعبة بالنسبة إلى حاسوب تقليدي. ولكن حل مثل هذه المسائل سيتطلب 100,000 كيوبت ووسيلة لتصحيح الأخطاء في الموجات الكمومية الحساسة. ولا تزال مثل هذه الآلات على بعد عقود منا، كما يقول الباحثون. ولكن المطورين يقولون إن الحواسيب الكمومية التي تحتوي على بضع عشرات من الكيوبتات الصاخبة ستتفوق قريباً على الحواسيب التقليدية في أداء بعض المهام، وإنهم يبحثون عن المقاييس الملائمة لإثبات ذلك.

ويعد حل مسألة لا يمكن للحاسوب التقليدي حلها، أو ما يسمى التفوق الكمومي، أحد المقاييس المعروفة جيداً. ويقول جون مارتينيس John Martinis، عالم الفيزياء في سانتا باربارا من جامعة كاليفورنيا الذي يقود جهود غوغل للتفوق بفضل معالج بقدرة 72 كيوبت فائقة التوصيل: «إنه بمثابة مشروع: يثبت للعالم! أنّ حاسوبك الكمومي يعمل».

والمسألة التي اختار باحثو غوغل حلها مجردةٌ جدّاً. فهم يبرمجون الحاسوب الكمومي بشكل أساسي لتنفيذ مجموعة عشوائية من العمليات بشكل متكرر على الكيوبتات. وبفضل التداخل الكمومي، يتعين على الآلة أن تلفظ بعض سلاسل الأصفار والآحاد الأكثر احتمالاً من غيرها، بدلاً من إنتاج جميع السلاسل باحتمالات متساوية، كما كانت ستفعل في غياب التداخل. والأهم من ذلك، أنّ التنبؤ بهذا التوزيع الدقيق للنتائج يفوق الحواسيب الكلاسيكية بمجرد ازدياد عدد الكيوبتات جدّاً. لذلك إذا كان بوسع باحثي غوغل قياس هذا التوزيع المعبّر لمعالجها الكمومي الخارق بقدرة 72 كيوبت؛ فسيكون ذلك، بمعنى ما، قد حقق تفوقاً كموميّاً من خلال حساب شيء لا يستطيع الحاسوب التقليدي إجراءه. ومع ذلك، يقول غريغ كوبربرغ Greg Kuperberg، عالم الرياضيات في جامعة كاليفورنيا University of California بديفيس، إنّ التمرين الغامض لن يؤذن بوصول الحواسيب الكمومية العملية. ويضيف قائلًا: «إنه تفوق في أداء شيء عديم الفائدة تماماً».

وفي المقابل، يهدف الباحثون في شركة ريغيتي إلى إظهار أنّ الحاسوب الكمومي يمكنه أداء بعض المهام المفيدة بشكل أدق أو أسرع أو أقل تكلفة من الحواسيب التقليدية، وهو مقياس يسمونه ميزة الكم Quantum advantage. ويقول تشاد ريغيتي Chad Rigetti، عالم الفيزياء ومؤسس الشركة الناشئة: «ما نريده هو الأشياء التي تضعنا على أقصر الطرق للوصول إلى القيمة التجارية». فعلى سبيل المثال،كما يضيف، قد يكون الحاسوب الكمومي مثاليّاً لنمذجة التفاعل المعقد للأصول المالية في صندوق تحوط.

وفي سبتمبر 2018 تعهد ريغيتي بتقديم مبلغ مليون دولار لأول مستخدم يحقق ميزة كمية على أجهزته المتاحة للجمهور. وتبلغ قدرة النسخة الحالية من الحاسوب 16 كيوبت فائقة التوصيل. ويرى أرام هارو Aram Harrow، عالم الفيزياء في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا Massachusetts Institute of Technology  بكيمبريدج، إنه نظراً لأن المقياس يتضمن عوامل مثل التكلفة، فإن ميزة الكم غير محددة بدقة. ويقول هارو: «إذا كان الأمر غامضاً بعض الشيء، فهذا ليس بالأمر السيِّئ بالنسبة إلى شركة ريغيتي».

قفزة كمومية

 مع حاسوب كمومي يعتمد على شريحة فائقة التوصيل، تبحث شركة ريغيتي كومبيوتنغ Rigetti Computing  عن تطبيق يمنحه ميزة عملية يتفوق بها على الحواسيب التقليدية، فيما تعتمد شركات أخرى مقاييس أخرى لقياس التقدم المحرز.

الشركة/الجامعة نوع الحاسوب عدد الكيوبتات أداة القياس المفضلة
غوغل

Google

الموصلية الفائقة 72 التفوق الكمومي
أي بي إم

IBM

الموصلية الفائقة 20 حجم الكم
ريغيتي كومبيوتنغ

Rigetti Computing

الموصلية الفائقة 16 ميزة الكم
جامعة ماريلاند

University of Maryland

الأيونات المحتجزة 5 المقارنة المعيارية

 

 

وحدد باحثو آي بي إم مقياساً يُسمى حجم الكم Quantum volume، يقيس أداء الحاسوب الكمومي دون مقارنته بحاسوب تقليدي. وهو ينطوي على اختبار حاسوب كمومي باستخدام حسابات عشوائية مثل تلك التي تستخدمها غوغل. ويعتمد ذلك على عدد الكيوبتات وعدد الدورات الحاسوبية التي يمكن للآلة التعامل معها قبل تشوش حالاتها الكمومية.

ويقول جاي غامبيتا Jay Gambetta، عالم الفيزياء في مركز توماس جيه واتسون للأبحاث Thomas J. Watson Research Center التابع لشركة آي بي إم في يوركتاون هايتس بنيويورك، إنه باستخدام حاسوب تبلغ قدرته 20 كيوبت فائقة التوصيل، توصل علماء آي بي إم إلى حجم كم قيمته 16 ويهدفون إلى مضاعفة هذا الحجم كل سنة. ويقول إن التطبيقات التي تمثل اختراقاً ستلي ذلك بشكل طبيعي. ويُضيف: «لا أعتقد أن التفوق هو شيء تطمح إلى تحقيقه. إنه شيء سنعرفه بمجرد انتقالنا إلى أشياء أكبر تدريجيًا».

وبعدها هناك مقارنات مباشرة مثل تلك التي أجرتها  مارتونوسي. في اختبارها، حلت الآلة المستندة إلى الأيونات؛ وتبلغ قدرتها  خمسة كيوبتات، معظم مسائل الاختبار بشكل صحيح بنسبة بلغت نحو 90% من المرات، مقارنة بنسبة 50% أو أقل مقارنة بالآلات التي تقل عنها في قدرات فائقية التوصيل. وهذا الاختلاف يعكس الحالة الراهنة للتكنولوجيا وليس إمكاناتها، كما تقول مارتونوسي. وعلى سبيل المثال، في آلة فائقة التوصيل، يتفاعل كل كيوبت فقط مع جيرانه، لكن كل أيون في جهاز جامعة ماريلاند يتفاعل مع كل الآخرين، فيعطي حاسوبها ميزة إضافية. ولكن الآلات الأكبر المستندة إلى الأيونات لن تشترك معه في هذه الميزة.

وتقول مارتونوسي إن مثل هذه المقارنات تظهر أن جميع الحواسيب الكمومية كان أداؤها أفضل بكثير عندما بُرمجت لاحتساب الاختلافات في ضوضاء الكيوبتات والاتصال، وتقول: «عبر مجموعة واسعة من تطبيقات [الأجهزة]، يبدو أن هذا الأمر يعمل. هذا مثير للفضول جدّاً».

ويسأل هارو عن مدى فائدة أي من المقاييس الحالية على المدى الطويل. ويقول إن التحدي الرئيسي في مجال الحوسبة الكمومية يكمن في إيجاد تقنية ستصل إلى آلاف الكيوبتات، ويضيف قائلًا: «هذه المقاييس ترتبط فقط بشكل غير دقيق بمسألة الحجم».

sciencemag.org

 

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق