الطب وصحة

عقار تجريبي يؤخر ظهور أعراض داء السكري من النوع الأول

أسبوعان من العلاج يؤخران الداء لمدة عامين

بقلم: جينيفر كوزان-فرانكل

ترجمة: صفاء كنج

تتويجاً لمسيرة ملحمية بدأت قبل 33 عاماً، أعلن علماء خلال الأسبوع الثاني من يونيو 2019 تسجيل إنجاز مهم على طريق الوقاية من داء السكري من النوع الأول: لقد قدموا دليلاً على إمكانية تأخير ظهور الداء.

أفاد الباحثون خلال اجتماع الجمعية الأمريكية لداء السكري American Diabetes Association في سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا، وفي بحث نشر في مجلة نيوإنغلند جورنال أوف مديسين New England Journal of Medicine، أن إعطاء المرضى عقاراً تجريبياً لمدة أسبوعين أخَّر ظهور المرض بما معدله عامان بين الشباب الذين ترتفع لديهم مخاطر الإصابة به إلى حد كبير.
وتقول لوسيان شاتنو Lucienne Chatenoud، من مستشفى نيكر-انفان مالاد Hôpital Necker-Enfants Malades للأطفال في باريس، وهي لم تشارك في هذه الدراسة البحثية: “هذه البيانات هي الأولى التي تُظهر أنه يمكن وقف تطور داء السكري من النوع الأول.”

“… يمكن وقف تطور داء السكري من النوع الأول.” لوسيان شاتنو، مستشفى الأطفال نيكر-أنفان مالاد، باريس

داء السكري من النوع الأول من أمراض المناعة الذاتية ويتطلب الفحص المستمر لسكر الدم وقد يؤدي إلى الإصابة بأمراض القلب والفشل الكلوي. قبل تشخيص المرض بسنوات تهاجم الخلايا التائية T cells، وهي بمثابة حراس الجهاز المناعي، الخلايا البائية B cells في البنكرياس. لكن الخلايا التي تفرز الأنسولين تبقى سليمة إلى حد كبير، الأمر الذي يوفر نافذة للتدخل.
قبل عقود، ركز كيفان هيرولد Kevan Herold، اختصاصي الغدد الصماء حالياً في جامعة ييل Yale University، جهوده على دواء للأجسام المضادة Antibody drug طوَّره جيفري بلوستون Jeffrey Bluestone، عالم المناعة الذي يعمل حاليا في جامعة كاليفورنيا University of California في سان فرانسيسكو. هذا العقار يوقف عمل الخلايا التائية النشطة عن طريق استهداف جزيء على سطح الخلايا يسمى سي دي3 CD3. في تسعينات القرن الماضي، بيَّن العالمان مع فريق فرنسي تقوده شاتنو أن العقار المضاد لجزيء سي دي3 قد يمنع أو يعكس تطور داء السكري في تجربة على فأر مختبر نموذجي. وبدت تجارب سريرية صغيرة، شملت أشخاصاً شُخصوا حديثاً بداء السكري، واعدة أيضاً.
لكن العلماء أصيبوا بخيبة أمل بعد تجربتين واسعتين على مرضى شُخِّصوا بالمرض حديثا. ووصف بلوستون نتائج التجربتين التي أعلن عنها في عام 2010 بأنها “كانت مخيبة للآمال.” لكن الأمر لم يوهن عزيمة بلوستون وهيرولد وغيرهما ممن تسلحوا بالتفاؤل معتقدين أن التجربتين استخدمتا جرعات منخفضة جداً من العقار أو ضمتا مشاركين لم يكن لديهم نوع داء السكري المتصل بالمناعة الذاتية.
أقنع هيرولد شبكة تجري تجارب سريرية على داء السكري تدعى ترايَلنت TrialNet بطرق باب جديد عبر دعم إجراء تجربة بحثية على الدواء لدى أشخاص لم يصابوا بعد بداء السكري. وابتداءً من عام 2011، سجلت التجربة مشاركين تُقدر مخاطر تعرضهم للإصابة بداء السكري بنسبة 75% في السنوات الخمس المقبلة، بناءً على نسبة السكر غير المستقرة في الدم ورصد أجسام مضادة في دمائهم تشير إلى تعرض البنكرياس لهجمات عدة. وقد تلقى عن طريق الوريد، 44 متطوعاً كل يوم ولمدة 14 يوماً، دواء تبليزوماب Teplizumab، وهو الاسم الذي بات يُطلق على العقار الذي ساعد بلوستون على تركيبه. وحصلت مجموعة أخرى من 32 متطوعاً على دواء غفل (وهمي). وكان الفرق واضحًا. كان متوسط فترة تشخيص ظهور أعراض داء السكري لدى المجموعة التي تلقت الدواء، أكثر من أربع سنوات بقليل؛ أما المجموعة الثانية فقد ظهرت عليها الأعراض بعد سنتين.
وأصيب 43 % ممن تلقوا دواء تبليزوماب بداء السكري بعد خمس سنوات مقابل 72% في مجموعة التحكم (الضابطة) Control group. وكانت الآثار الجانبية خفيفة وتلاشت في غضون أسابيع.

ويقول مارك أتكينسون Mark Atkinson، اختصاصي علم الأمراض بجامعة فلوريدا في غاينسفيل University of Florida in Gainesville: “إن كسب سنتين من حياتك من دون أنسولين أمر مهم جدّا … علينا أن نفكر في الأم أو الأب اللذين سيُعفيان من الاستيقاظ في الليل طوال عامين”؛ لفحص مستوى السكر في دم طفلهما، إلى جانب احتمال انخفاض مخاطر حدوث مضاعفات. والسؤال الكبير المطروح الآن هو: ما الخطوة التالية؟ تأمل كارلا غرينباوم Carla Greenbaum، رئيسة شبكة ترايَلنت واختصاصية الغدد الصماء في معهد بينارويا للأبحاث Benaroya Research Institute في سياتل بولاية واشنطن، بأن يعمل الباحثون على معرفة ما إذا كان لعلاجات مناعية أخرى أيضاً دور في تأخير ظهور المرض. وتتساءل كذلك عما إذا كان إعطاء جرعة ثانية من تبليزوماب سيمدد من فترة فعالية الدواء.
ونظراً للنتائج المذهلة المسجلة، ربما يصعب تبرير إجراء تجربة وقائية أوسع على دواء تبليزوماب مع مجموعة تحكم يُعطى المشاركون فيها دواء غفلا. وعلى الرغم من أن المتطوعين في تجربة هيرولد كان لديهم قريب من الدرجة الأولى مصاب بداء السكري، فإنّ 85% على الأقل من المرضى ليسوا كذلك؛ لذلك فإن الفحص الواسع النطاق وحده كفيل بالوصول إلى جميع المُعرّضين لخطر الإصابة بالمرض. ويتساءل أتكينسون: “هل يمكن حتى توقع مشاركة الجمهور؟” في مثل هذه التجربة،. ومع ذلك، يأمل هيرولد أن يمثل بحثه نقطة تحول. وبينما كان ينهي جمع البيانات، لاحظ أن أول متطوع في التجربة قد اختفى. وعلم هيرولد في وقت لاحق أن الشاب حصل على جرعة من دواء تبليزوماب. ويتذكر هارولد قائلًا: “اتصلت به وسألته: ماذا حدث؟”، ورد المتطوع: “لا شيء”، وأنه نسي التواصل مع المركز. وفكر هيرولد:”هذا رائع”، فالنسيان ليس خياراً بالنسبة لمريض مصاب بداء السكري، لكنه يعني الكثير بالنسبة إلى شاب لا يعاني المرض.

Sciencemag.org

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق