فيزياء

مفاعلُ المملكة المتحدة الاندماجي سيختبر وقودَ محطات الطاقة المستقبلية

الحلقة الأوروبية المشتركة Joint European Torus ستستخدم مزيج الديوتيريوم-التريتيوم، وذلك بعد تمديد فترة تشغيل المفاعل بفضل تمويل قدره 100 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي.

بقلم
دانيال كليري

ترجمة
صفاء كنج

 

في خضمِّ الفوضى الطاغية على جهود المملكة المتحدة للخروج من الاتحاد الأوروبي، أو ما يُعرف ببريكست Brexit، هناك الآن على الأقل أمر واحد نعرفه على وجه اليقين، وهو أن مُفاعل الاندماج Fusion reactor الرئيسي الموجود في المملكة المتحدة ويُموِّله الاتحاد الأوروبي سيستمر تشغيله حتى نهاية عام 2020 بفضل حصوله على 100 مليون يورو من الأموال الأوروبية. وسيمكّن الاتفاق المبرم في الأسبوع الأخير من مارس 2019 مفاعلَ الحلقة الأوروبية المشتركة Joint European Torus (اختصاراً: المفاعل JET) من الشروع في حملة اندماج جريئة باستخدام وقود ثمين مراوغ سيساعد على تمهيد الطريق أمام خليفته: مفاعل الاندماج الحراري التجريبي الدولي العملاق قيد الإنشاء في فرنسا الذي يُسمَّى (اختصارا: المفاعل ITER ).

لا تضمن الاتفاقيةُ مستقبل المفاعل JET البالغ من العمر 35 عاماً بعد سنة 2020، ولا مشاركة العلماء البريطانيين في برامج أبحاث الاندماج الأوروبي بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والذي تأجل حتى نهاية أكتوبر على الأكثر، ولها لا يحدث على الإطلاق. ولكن إبرامها أشاع الارتياح بين الباحثين في مجال الاندماج الذين كانوا يخشون إغلاق المفاعل JET بعد بريكست. ويقول إيان تشابمان Ian Chapman، مدير مركز كولهام للطاقة الاندماجية Culham Centre for Fusion Energy بالقرب من أكسفورد في المملكة المتحدة، الذي يستضيف المفاعل JET: «لدينا الآن بعض اليقين.»

وستتيح الاتفاقية أيضا للمفاعل الانتقالَ تدريجيّاً من استخدام الديوتيريوم النقيّ، وهو نظير الهيدروجين مع نيوترون واحد إضافي، إلى استخدام مزيج من الديوتيريوم والتريتيوم مع نيوترونين إضافيين. وهذا الوقود الذي يحتوي على الديوتيريوم والتريتيوم “D-T” نادر ويصعب التعامل معه لكنه في النهاية سيؤدي إلى تشغيل  المفاعل ITER  والمفاعلات التجارية التي ستليه. والمفاعل JET هو المفاعل الوحيد في العالم المجهز لفصل وإعادة تدوير التريتيوم من الفضلات الغازية الناجمة عنه. ويقول لوم هورتونLorne Horton ، مدير تشغيل المفاعل JET: «الناس متلهفون للعمل على المشروع.»

ومزيج الديوتيريوم والتريتيوم D-T هو الوقود الأمثل للوصول إلى نقطة التعادل التي يولد عندها المفاعلُ مقدارَ الطاقة ذاته الذي يستهلكه لتسخين وضغط الغاز المؤيَّن أو البلازما التي تحافظ على استمرار الاندماج. لكن المفاعل JET لن يصل إلى ذلك المستوى، فقُطرهُ الذي لا يتجاوز ثمانية أمتار يُعدُّ صغيراً جدّاً. وسيتعين لتحقيق ذاك الإنجاز المهم الانتظارُ حتى الانتهاء من بناء مفاعل الاندماج الحراري التجريبي الدولي العملاق البالغ قطره 20 متراً وتكلفته 25  بليون دولار في عام 2025.

وسيظل المفاعل JET حتى ذلك الحين أكبر مفاعل اندماج نووي في العالم. ففي عام 2011 غيّر الباحثون البطانة الداخلية لحوض المفاعل الشبيه بسوار، مستعيضين عن الكربون بالتنغستين والبريليوم. ويمكن للكربون تحمل حرارة البلازما البالغة 150 مليون درجة سيليزية، لكنه مع الأسف يمتص بعض وقود الانصهار. أما التنغستين والبريليوم؛ فليسا مقاومين مثله للحرارة ومن ثم فإنه ينبغي معايرة المجالات المغناطيسية التي تحبس البلازما بعناية لضمان عدم لمس البلازما الجامحة الجدار وإتلافه. ولكن هذه المعادن هي التي سيستخدمها المفاعل ITER، الأمر الذي يجعل المفاعل JET أفضل جهاز محاكاة لفهم سلوك ابن عمه العملاق.

ويقول هورتون إن الباحثين مستعدون الآن لإخضاع جدران المفاعل JET للاختبار لدى بدء الحملة التجريبية في يونيو 2019. ويسخِّن مفاعل الاندماج وقوده إلى أن تصطدم الأيونات بالبلازما بقوة تجعلها تندمج معاً، فتتولد عن ذلك أيونات أكبر وتتحرر طاقة. ومن بين العديد من أنواع وقود الانصهار يتفاعل المزيج D-T عند أدنى درجة حرارة، وهو ما يجعله المزيج المفضل لتوليد الطاقة.

لكن تحقيق ذلك أمر بعيد عن متناول معظم مفاعلات الاندماج التجريبية. من ناحية لأن النيوترونات السريعة الحركة الناتجة من اندماج الديوتيريوم والتريتيوم تجعل المفاعل مشعّاً، ومن ثم يصعب إدخال تعديلات لاحقة عليه. والتريتيوم نفسه مشعٌّ أيضاً ويجب الإبلاغ عن مصير كل غرام يستخدم منه إلى منظمة يوراتومEuratom  المشرفة على المعاهدة، التي تُنظِّم الأبحاث النووية الأوروبية. وهو كذلك باهظ الثمن، إذ يصل سعر الغرام منه إلى نحو 30,000 دولار. ويحصل فريق المفاعل JET على التريتيوم من المصادر المدنية الوحيدة في العالم وهي المفاعلات النووية الكندية التي تستخدم الديوتيريوم واليورانيوم Canada Deuterium Uranium (اختصارا: المفاعلات Candu). ويقول هورتون إن المفاعل JET حصل على 20 غراماً منه لإجراء التجارب في عام 1997 عندما سجل الفريقُ الرقمَ القياسي العالمي الحالي من خلال توليد 16 ميغاوات من طاقة الاندماج. ولا يزال لدى الباحثين بعض منه على الرغم من أن الكثير منه قد اضمحل على الأرجح نظراً لأن عمر النصف للتريتيوم هو 12 عاماً. ولأجل حملة الديوتريوم والتريتيوم، يعمل المفاعل JET للحصول على 60 غراماً منه. ويخطط الفريق لتشغيل المفاعل هذا العام بالديوتيريوم النقي وفي النصف الأول من العام المقبل بالتريتيوم النقي. ويقول هورتون إنه من خلال التبديل بين الديوتيريوم الأخف وزناً والتريتيوم الأثقل، سيمكنهم ملاحظة الكيفية التي تتغير بها فيزياء البلازما وتقدير الكيفية التي سيتصرف بها المزيج D-T. وبعد ذلك في النصف الثاني من عام 2020، سيشغل الفريق المفاعل JET باستخدام المزيج. ويقول  توني دونيهTony Donné ، مدير برنامج يوروفيوجنEurofusion  في غارشنغ الألمانية، وهو فرع أبحاث الاندماج في منظمة يوراتوم Euratom ، إنه منذ عام 1997، «أحرزنا 22 عاماً من التقدم في كيفية حصر البلازما. لكن الدليل النهائي على النجاح سيكون لدى تجربة مزيج الديوتيريوم والتريتيوم.» وإضافة إلى الاستعداد لتشغيل المفاعل ITER، فإن تشغيل المفاعل JET بمزيج الوقود سيسهم في تدريب جيل جديد من الباحثين على الاندماج على كيفية تشغيل مفاعل يستخدم التريتيوم، وهي مهارة سيحتاجون إليها عندما يبدأ المفاعل ITER بحرق مزيج الديوتيريوم والتريتيوم في عام 2035. وكان هورتون حاضراً خلال تسجيل سبق المفاعل JET القياسي في عام 1997. «لكنني أعرف أنني لن أكون هنا لأقوم بذلك مرة أخرى مع المفاعل ITER» كما يقول.

©sciencemag.org

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق