علم المحيطات

تجربة مخطط لتنقيب القاع يحظى بتجربة بحرية

بينما يحصد الروبوتُ العقيداتِ الغنية بالمعادن، فإن العلماءَ سيراقبون النظم الإيكولوجية

بقلم: بول فوسن

بقلم: تامر صلاح

في بعض الأحيان لا تكون أساطير البحارة بعيدة عن الحقيقة: المحيط العميق غني بالفعل بالكنوز والمخلوقات الأكثر غرابة. وعلى مدار عقود كَنزٌ واحدٌ، عقيدات  Nodulesبحجم البطاطا غنية بالمعادن الثمينة تقبع في القاع السحيق المظلم، جَذَب روادَ الأعمال ذوي التفكير الطموح، فيما كانوا يتحدّون مهندسيهم. لكن هذا قد يتغير في شهر أبريل عام 2019 مع أول اختبار يجرى في أعماق البحر لآلة بحجم الحافلة مصممة لشفط هذه العُقيدات.

وستُجري التجربة التي تديرها شركة الموارد المعدنية البحرية العالمية Global Sea Mineral Reresources (اختصارا: الشركة GSR)، التابعة لمجموعة DEME عملاقة التجريف البلجيكية، في المياه الدولية لمنطقة كلاريون كليبرتون Clarion-Clipperton zone (اختصارا: المنطقة CCZ)، المنطقة الغنية بالعقيدات على طول الامتداد القاري للولايات المتحدة بين المكسيك وهاواي. وسيحاول الجامع باتانيا 2 Patania II، المربوط بسفينة تبعد أكثر من أربعة كيلومترات، أن يمتص هذه العقيدات عبر أربعة شفاطات أثناء إبحاره جيئة وذهاباً على طول شريط يبلغ طوله 400 متر.

ويجب أن يحصل الإيكولوجيون، القلقون من تأثير البحث عن الكنز في كائنات أعماق البحار الهشة -التي تعيش بين وخارج العقيدات، على بعض الإجابات أيضًا. وسترافق مجموعة مستقلة من العلماء على السفينة آر. في. سون R / V Sonne الألمانية سفينةَ الموارد المعدنية البحرية التابعة للشركة GSR لرصد تأثير رحلات الجامع  Patania II. يقول جيمس هاين James Hein، عالم الجيولوجيا البحرية في هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية U.S. Geological Survey في سانتا كروز بكاليفورنيا، أنّ الجهد الذي تموِّله أوروبا لرصد هذا النوع من التنقيب، المسمى المشروع ماينينغ إمبكات MiningImpact2، سيوفر المعلومات الضرورية لقوانين للتعدين في قاع البحر قيد التطوير، ويضيف قائلاً: «هذا العمل حيوي.»

منذ سبعينات القرن العشرين ازداد الاهتمام بالتعدين في أعماق البحار وتراجع مع تذبذب أسعار السلع الأساسية. وقبل عقد من الزمن ركزت الشركات على الكبريتيدات  Sulfides المواد الغنية بالنحاس Copper، والتي تتشكل من المياه الساخنة المحملة بالمعادن المتدفقة من الفوهات الحرارية المائية Hydrothermal vents. لكن خطة تنقيب الرواسب قبالة بابوا غينيا الجديدة  Papua New Guineaقوبلت بمعارضة لأن الفوهات نادرة وهشة، وتستضيف أشكال حياة غير عادية. إذ يقول أندرو ثالير Andrew Thaler، عالم إيكولوجيا البحار العميقة الذي تابع الصناعة من موقعه في شركة بلاكبيرد بيولوجيك Blackbeard Biologic، وهي شركة استشارية في سانت مايكلز بولاية ماريلاند: «إنها أنظمة إيكولوجية غريبة فريدة من نوعها»؛ ونتيجة لذلك، يضيف: «من الصعب سياسيًّا الحصول على المزيد من تراخيص التنقيب.»

غير أن العقيدات وفيرة وغنية بالكوبالت، وهو معدن ثمين مهم للعديد من الإلكترونيات يُستخرج الآن من غابات جمهورية الكونغو الديمقراطية التي هي منطقة نزاع. إذا لم يكن التنقيب قائماً على الأرض من قبل قطُّ، وكان عليك الاختيار بين الغابة المطيرة أو قاع البحر «فستختار قاع البحر حتماً،» كما يقول ثالير. وتتشكل العقيدات في القيعان السحيقة العميقة حيث تكون معدلات الترسيب منخفضة؛ مما يسمح للمركبات المعدنية الذائبة في مياه البحر بالترسب على مدى ملايين السنين حول نواة متخذة شكل سن سمك قرش أو صخرة. وتقول بيث أوركوت  Beth Orcutt، عالمة جيولوجيا الكائنات الدقيقة في مختبر بيغلو لعلوم المحيطات Bigelow Laboratory for Ocean Sciences في شرق بووثباي بولاية مين، إن الميكروبات تساعد هذه العملية، خاصةً عندما تتغذى بالعناصر الغذائية المنجرفة من المياه السطحية الغنية بالحياة.

ومثاليةً من حيث تشكّل العقيدات، تشير التقديرات إلى أن المنطقة CCZ تحتوي على نحو 27 بليون طن متري من الخام. لكن قاعها السحيق هو أيضاً حديقة من أشكال الحياة الغريبة. فقد ساعد كريغ سميث Craig Smith عالم الإيكولوجيا القاعية من جامعة هاواي University of Hawaii في هونولولو، على إجراء المسوح البيولوجية في المنطقة CCZ التي كشفت، في إحدى الحالات، عن وجود 330 نوعًا تعيش في مساحة 30 كيلومترًا مربعًا، أكثر من ثلثيها جديد على العلم. ويشمل سكان المنطقة CCZ دودة حبار العملاقة Giant squid worm، وإسفنجيات مفترسة Predatory sponges تشبه أشجار عيد الميلاد المزخرفة، وخيار بحر Sea cucumbers أصفر وأخضر وصفها الباحثون بـ«السناجيب اللزجة» Gummy squirrels، ومجموعة أكثر تنوعاً مما هو معروف من قبل من الديدان الشوكية Bristle worms. ويقول سميث: «لم أكن أتوقع أن يضم أي جزء من المنطقة CCZ تنوعاً أكبر من أي موئل من موائل أعماق البحر. لقد أدهشني ذلك.»

وقد يترك التنقيب بصمة دائمة على هذه النظم الإيكولوجية. ففي عام 2015 زار علماء مشروع MiningImpact2 موقع تجربة أجريت في ثمانينات القرن الماضي قبالة بيرو، حيث تم سحب زلاجة صغيرة على طول القاع لمحاكاة حصاد العقيدات. وبعد ثلاثة عقود «بدا الأمر كما لو كان الاضطراب قد حدث يوم أمس»، كما تقول أندريا كوشينسكي Andrea Koschinsky، عالمة الكيمياء الجيولوجية في جامعة جاكوبس Jacobs University في بريمن بألمانيا، التي تعمل في المشروع MiningImpact2. وشوهد نمط مماثل في مواقع التجريف المحدود في المنطقة CCZ. ويقول ينس غرينيرت Jens Greinert، الجيولوجي من مركز غومار هيلمهولتز لأبحاث المحيط Centre for Ocean Research GEOMAR Helmholtz، في كيل بألمانيا، إن الحياة في طريق جامع العقيدات ستُفقد، ولاحظ أن العديد من المتغذيات بالترشيح مثل المرجان والإسفنج تعيش مباشرة فوق العقيدات. «سيتم امتصاصها وستفنى. لا يمكنك إعادتهما.»

ومثل هذه المخاوف تجعل العديد من علماء البيئة حذرين من فتح أيٍّ من أعماق البحار أمام التنقيب. ويطرح البعض، بمن فيهم مبعوث الأمم المتحدة الخاص للمحيط United Nations Special Envoy for the Ocean بيتر طومسون Peter Thomson، فكرة «وقفة احترازية» مدتها عشر سنوات. «يبدو أن هناك أجندتين متعارضتين»، كما تقول كيرستن تومسون  Kirsten Thompson، عالمة البيئة البحرية من جامعة إكستر University of Exeter في المملكة المتحدة.

هذا، وقد رفضت الشركة GSR التعليق إلا بعد التجربة، ولكن هناك عوامل أخرى من المرجح أن تؤخر العمليات التجارية في المنطقة CCZ حتى أواخر العقد المقبل. فمن جهة، لا يزال الإطار القانوني للتنقيب في المياه الدولية غير متفق عليه بعد. وعلى الرغم من أن السلطة الدولية لقاع البحار International Seabed Authority التابعة للأمم المتحدة منحت عقودًا للتنقيب، فإنها لا تزال تصيغ قوانين من شأنها أن تحكم العمليات التجارية وتضع حدودًا لمدى الأضرار البيئية. من غير المحتمل أن تكون القوانين نهائية قبل عام 2021. ومن جانب آخر، فإن الجامع هو أكثر معدات التنقيب المتقدمة التي سبق اختبارها بتعمق، وربما لا يعمل كما هو مخطط له. ويقول ثالير: «عندما ترمي قطعة جديدة من التكنولوجيا في المحيط، يميل المحيط إلى قذفها في وجهك.»

لقياس المخاطر على النظم الإيكولوجية، يقوم العلماء على متن السفينة زون بدوريات في المنطقة CCZ، وجمع البيانات الأساسية. وفي شهر إبريل، ستلتقي السفينة زون بسفينة الشركة GSR، وعلى مدى عدة أسابيع ستجري السفينتان اللتان تعمل كل منهما على مسافة 400 متر تقريبًا من الأخرى الاختبارات في منطقتين حيث تمتلك الشركة GSR عقود استكشاف من الأمم المتحدة. قبل كل اختبار، سينفق طاقم السفينة تقريبًا ثلاثة أيام مرسلين أكثر من 60 مستشعراً، بما في ذلك رادار وسونار وكاميرات، أسفل مصعد إلى قاع البحر، باستخدام مركبة تعمل عن بعد Remotely Operated Vehicle ( اختصاراً: المركبة ROV) لوضع المعدات في مكانها، ويقول غرينرت: «الأمر يشبه إلى حد بعيد لعبة تيتريس Tetris.»

وستركز هذه المستشعرات على مراوح sPlume الرواسب التي سيثيرها الجامع. وتعتبر مياه المنطقة CCZ من أصفى المياه في العالم، ولفترة طويلة ظل العلماء متخوفين من أن التنقيب قد ينشر غطاءً كبيرًا من الطمي؛ مما يضر بالحياة خارج المنطقة المباشرة للتنقيب. غير أن التجارب الحديثة تشير إلى أن معظم جسيمات الطمي ستتجمع وتتساقط على بعد كيلومتر واحد أو اثنين، كما تقول كوشينسكي. لكن غشاوة من الجسيمات النانوية الدقيقة قد تنتشر إلى أبعد من ذلك.

بينما يتجول الجامع على طول الطريق، ستتبعه المركبة  ROV وروبوت أعماق البحار، لالتقاط صور عند قرب وبعد. وفي نهاية المساحة البالغة 400 متر طولاً، سيكوِّم الجامعُ العقيداتِ التي جمعها في كومة. (هذا “النموذج الأوليPreprototype ” لا يوجد لديه نظام لإيصالها إلى السطح). وستستمر المستشعرات بمراقبة مروحة الرواسب المثارة لمدة  أربعة أيام بعد الانتهاء من العمل.

وعلى الرغم من أن البيئيين قد يميلون إلى إدانة أي تنقيب في عمق البحر، وحتى هذا الاختبار الصغير، فإنه ينبغي الإشادة بالشركة GSR لاستعدادها للتعاون مع العلماء، كما تقول سيندي فان دوفر  Cindy Van Dover ، عالمة أحياء أعماق البحار من جامعة ديوك  Duke University في درهام بشمال كارولينا. «أنا أهنئهم. لا يمكننا الحصول على إجابات حتى نبدأ بفعل الأشياء.» ومع ذلك، وبالنظر إلى النطاق المحدود للاختبار ونطاق ما هو مجهول في الحياة في أعماق البحر، فإنها تشك في أن هذا سيجيب، بالنسبة إليها، عن السؤال الأكثر إلحاحًا: «كيف سنعرف أننا أفسدنا الأمر؟»

المرجع العلمي:

http://science.sciencemag.org/content/363/6432/1129.full

 

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق