العلوم البيئيةجيولوجياعلم المناخ

مستوى سطح البحر يرتفع أسرع مما اعتُقِد سابقًا في دلتا العديد من الأنهار

أخفقت مقاييسُ المد والجزر في الكشفِ عن ضغط الرواسب الضحلة

أخبار جيولوجيا السواحل

COASTAL GEOLOGY

بقلم: بول فووسن Paul Voosen

ترجمة: مي منصور بورسلي

 ارتفاع مستوى سطح البحر بفعل ذوبان الجليد وارتفاع درجات حرارة المحيطات هما أمران سيِّئان جدًّا في حد ذاته بالنسبة إلى المجتمعات الساحلية. لكن الذين يعيشون على الرواسب الناعمة والمضغوطة في دلتا الأنهار عليهم التعامل مع عامل آخر: هبوط الأرض Subsidence. وقد استنتج العلماء بطرق تقليدية مثل هذا الهبوط من قراءات عدادات مستوى المدّ Tide gauge أو قياسه مباشرةً من محطات تحديد المواقع Stations GPS (اختصارًا: المحطات GPS). ولكن فريقًا من العلماء يقول الآن إنّ هذه الطرق تُقلل من تقدير مستوى الهبوط في العديد من دلتا الأنهار والسواحل المنخفضة في جميع أنحاء العالم.

وفي السنوات الأخيرة أظهر علماء من جامعة تولين Tulane University في نيو أورلينز بولاية لويزيانا، أنه في دلتا نهر المسيسيبي Mississippi River، فإن الرواسب الهشة الأحدث في الأمتار القليلة العليا تنضغط في طبقات بسرعة. ويقدر العلماء أن هذا التأثير يؤدي إلى زيادة في معدل ارتفاع مستوى سطح البحر في المنطقة بما يفوق الضعف ليصل المعدل إلى 13 ملم في السنة. ولا تلتقط عدادات قراءة المد والجزر والمحطات GPS هذا الهبوط في السواحل لأنها مثبتة على طبقات أعمق، وهي أقل عرضة للهبوط.

ومن المرجح أن تؤدي الآلية نفسها دوراً في العديد من المناطق الساحلية المنخفضة في جميع أنحاء العالم، والتي تستضيف نحو 10% من سكان العالم، حسبما يقول الفريق في بحثٍ نُشر هذا الأسبوع في مجلة أوشن ساينس Ocean Science. ويقول تربورن تورنكفيست Torbjörn Törnqvist، الاختصاصي بعلم الجيولوجيا في جامعة تولين، ومؤلف مشارك في الدراسة: ” لا تقيس عدادات المد والجزر ما نحتاج إليه، …نحن بحاجة إلى إعادة التفكير في كيفية مراقبة هذه المناطق.”

الأقمار الاصطناعية هي الأدوات الرئيسية لرصد التغيرات المطلقة في ارتفاع المحيط، والتي تعكس أكبر العوامل الدافعة إلى ارتفاع مستوى سطح البحر: ذوبان الجليد وتوسع رقعة المياه الحارَّة. ولكن بالنسبة إلى الأفراد والنظم الإيكولوجية، فإنّ الأثر النسبي لارتفاع أو هبوط الأرض أمرٌ لا يقل أهمية. ولاتزال بعض المناطق تتعافى بعد مرور آلاف السنين من مرحلة ذوبان صفائح الجليد القديمة الذي أزاح الوزن الهائل عن طبقة الوشاح المرنة للأرض. ولايزال الكثير من اليابسة ينحدر إلى الأسفل. وتقول إيمي سلانغن Aimée Slangen، الاختصاصية بعلم المناخ من المعهد الملكي الهولندي للأبحاث البحرية Royal Netherlands Institute for Sea Research في ييرسكي، والمؤلفة الرئيسية لفصل مستوى البحر من تقرير المناخ القادم للأمم المتحدة: “إنه أمرٌ غفلنا طويلاً عن أخذه بعين الاعتبار ضمن توقعات مستوى سطح البحر.”

ولاية لويزيانا، على سبيل المثال، تهبط بسرعة. على الرغم من أن الانضغاط هو السبب الأساسي، إلا أنّ استخراج المياه الجوفية والنفط والغاز يؤدي دوراً أيضاً. وكانت الرواسب المنجرفة إلى أسفل مجرى نهر المسيسيبي تعوض عن هذا الهبوط، ولكن الحواجز وغيرها من الهياكل الهندسية الآن حوَّلت هذه الرواسب نحو الخارج بعيداً في خليج المكسيك. ولرصد فقدان الرواسب، نشرت الولاية على مدى العقود القليلة الماضية شبكة تضم 400 جهاز بسيط لمراقبة الأراضي الرطبة، تسمى مقياس منسوب السطح Surface Elevation Tables.

ويرتكز الجهاز، وهو عبارة عن ذراع معدنية تبرز متوازية مع سطح المستنقع، فوق عمود يُغرس إلى الأسفل في عمق الأرض. مرتين في السنة، تُخفض سلسلة الدبابيس الجهاز حتى يلمس سطح المستنقع – مما يعطي مقياسًا منتظمًا لمدى سرعة هبوط السطح بالنسبة إلى الطبقات العميقة. قبل خمس سنوات، عندما بدأت مجموعة تورنكفيست باستخدام هذه الشبكة لمعرفة سبب هبوط لويزيانا، أدرك الباحثون أنّ المشكلة ليست مجرد فقدان الرواسب بل هي انضغاط التربة الضحلة ببساطة، والتي ترسبت في القرون السابقة عندما كان النهر يجري بحرِّية. تقول مولي كيوه Molly Keogh، طالبة الدراسات العليا في تولين، والتي قادت العمل الجديد: “لم تكن عدادات قياس المدّ والجزر تلتقط ذلك.”

وتوضح الورقة الجديدة السبب وراء ذلك. إذ تقيس عدادات قياس المد والبالغ عددها 131 في المنطقة المد مقارنةً بالمقاييس التي ترتكز في طبقة الرسوبيات العميقة، وغالباً ما تكون نحو عشرات الأمتار – “أقرب ما يمكننا الوصول إليه من القاعدة الصخرية في لويزيانا،” كما تقول كيوه. والمحطات GPS العشر التابعة للمنطقة ذات علامات مرجعية Benchmark معروفة مثبتة في المتوسط أيضاً على عمق 14 مترًا في الوحل. وبالنسبة إلى كلا الجهازين، كانت منطقة الانضغاط – وهي مصدر نصف ارتفاع مستوى سطح البحر- غير مرئية. وقد ينطبق السيناريو في مناطق دلتا أخرى تعتمد أيضاً على عدادات قياس المد والجزر، مما يلقي بظلال من الشك على تقديرات ارتفاع مستوى سطح البحر الإقليمي، كما يقول مارك شورش Mark Schuerch، الاختصاصي بعلم الجغرافيا من جامعة لينكولن University of Lincoln في المملكة المتحدة. “إنها مبتكرة ومثيرة تمامًا – أو مخيفة حقًا.”

ستكون محاولة معرفة عمق عدادات قياس المد في أماكن أخرى من العالم مهمة صعبة، كما يحذر فيليب وودورث Philip Woodworth، المدير السابق للإدارة الدائمة لمتوسط مستوى البحر Permanent Service for Mean Sea Level في ليفربول بالمملكة المتحدة، الذي راجع الورقة. ولا تحتوي سجلات قياس المد والجزر عادة عمق علاماتها المرجعية- على هذه البيانات، وإذا وجدت فستكون مدفونة في الإجراءات البيروقراطية بالبلاد.

إضافة إلى ذلك، قد يختلف معدل الضغط الضحل بشكل كبير من أرض رطبة إلى أخرى. وتعوض النباتات في بعض المستنقعات عن ذلك باحتجاز رواسب جديدة بين جذورها. وفي بعض المناطق، مثل بنغلاديش، يحدث الضغط بشكل أكثر انتظامًا عبر الطبقات الضحلة والعميقة، كما تقول سيلين غرول Céline Grall، وهي اختصاصية بعلم الجيولوجيا البحرية من مرصد لامونت دوهرتي للأرض Lamont-Doherty Earth Observatory التابع لجامعة كولومبيا Columbia University في باليساديس بولاية نيويورك: “هذه الافتراضات لا تنطبق هناك.”

وتقول تورنكفيست إنّ نشر أجهزة سطح قياس الارتفاع في الدلتا حول العالم يمكن أن يجيب عن تلك الشكوك؛ مما يُنشئ قاعدة بيانات عالمية. والأداة بسيطة ورخيصة وفعالة، وقد استخدمت بالفعل في أكثر من 30 دولة. بالنسبة إلى منطقة بحجم ولاية لويزيانا الساحلية، ستكون هناك حاجة إلى 40 فقط لتتبع الهبوط وتحديد مدى سرعة ارتفاع البحار. وتقول غرول إنّ ملايين الأشخاص الذين يعيشون في مناطق الدلتا حول العالم يحتاجون إلى معرفة الإجابة، “هذا إرث يجب أن نحافظ عليه.”

 

                                     ©sciencemag.org

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق