علم الأعصاب

الخلايا المُعاد برمجتها قد تعالج تلف الدماغ

تحويل الخلايا النجمية إلى خلايا عصبية يحسن الأعراض في الدراسات الأولية على الفئران

بقلم: كيلي سيرفيك Kelly Servick في سان دييغو بكاليفورنيا

ترجمة: مي منصور بورسلي

 

شرح الصورة

حوّل الباحثون الخلايا النجمية Astrocytes  (اللون الأحمر) إلى خلايا عصبية Neurons (اللون الأخضر) في دماغ فأرة حيّة.

 

    إذا فقد دماغُ مريضٌ أو مصابٌ خلايا عصبية (عصبونات) Neurons، فلماذا لا يطلب إلى الخلايا الأخرى تغيير وظيفتها وترك الكسل؟ قد اتخذت عدةُ فِرقٍ بحثية الخطوة الأولى عن طريق “إعادة برمجة” Reprogramming خلايا غير عصبية وفيرة تسمى الخلايا النجمية Astrocytes لتحولها إلى خلايا عصبية في أدمغة الفئران الحية.

    ويقول نيكولا ماتوغيني Nicola Mattugini، اختصاصي علم البيولوجيا العصبية من جامعة لودفيغ ماكسيميليان Ludwig Maximilian University في ميونيخ بألمانيا، الذي قدّم نتائج تجربة من هذا القبيل في الاجتماع السنوي لجمعية علم الأعصاب Society for Neuroscience في الأسبوع الثاني من نوفمبر  2018: “الجميع يشعر بالدهشة، في الوقت الحالي، لأن هذا النهج فاعل حقا.”

    والآن، تتوجه المختبرات إلى الإجابة عن الأسئلة التالية: هل تعمل هذه الخلايا العصبية مثل تلك الخلايا المفقودة، وهل توليد الخلايا العصبية على حساب الخلايا النجمية يُفيد أدمغة الحيوانات المُتضررة؟  ولا يزال كثيرٌ من الباحثين متشككين في كلتا الحالتين. ولكن فريق ماتوغيني، بقيادة اختصاصية علم الأعصاب ماغدالينا غوتز Magdalena Götz، ومجموعتين أخريين، قدّموا أدلة في الاجتماع على أنّ إعادة برمجة الخلايا النجمية، في بعض الجوانب على الأقل، تنتحل دور الخلايا العصبية التي يقصدون استبدالها. وقدمت المجموعتان الأخريان أيضًا أدلة على أنّ الخلايا النجمية التي أُعيد برمجتها تُساعد الفئران على استعادة الحركة المفقودة بعد السكتة الدماغية.

      ويرى البعضُ النهجَ كبديلٍ محتمل لزرع الخلايا الجذعية Stem Cells (أو الخلايا العصبية المشتقة من الخلايا الجذعية) في الدماغ أو الحبل الشوكي التالف. والتجارب السريرية لهذه الاستراتيجية جارية بالفعل لحالات تتضمن داء باركنسون Parkinson وإصابات النخاع الشوكي. إلّا أنّ غونغ تشن Gong Chen، اختصاصي علم الأعصاب من جامعة ولاية بنسلفانيا Pennsylvania State University في كلية ستيت كوليدج State College، يقول إنه أصيب بخيبة أمل من الفكرة بعد أن وجد في تجارب القوارض أنّ الخلايا المزروعة أنتجت عددًا قليلًا نسبيًا من الخلايا العصبية، وأنّ هذه الخلايا القليلة لم تكن فعّالة تمامًا. وأشار الاكتشاف الأخير الذي يُبيّن إمكانية دفع الخلايا الناضجة نحو مصائر جديدة إلى نهج أفضل، كما يقول. وقد استهدفت مجموعته البحثية وآخرون الخليةَ الأكثر وفرة في الدماغ، الخلايا ذات الشكل النجمي.

    والخلايا النجمية هي خلايا دبقية Glial cells، وقد سُمّيت على أساس الاعتقاد الخاطئ أنها مجرد “غراء” يُعطي الدماغَ بنيتهُ. وفي الواقع، هي تغذي وتتواصل مع الخلايا العصبية وتساعد على التحكم في تدفق الدم. وبعد الإصابة، تتكاثر مجموعات فرعية من الخلايا النجمية لتعزز الالتهاب وتُسهم في تكوين ندبة. ويعتقد العديد من العلماء أنّ آثار الخلايا النجمية في الشفاء متناقضة – بعضها مفيد وبعضها ضار.

    ويقول تشن: “لا أستطيع تخيل تقنية أخرى لتكون أكثر كفاءة من استخدام الخلية الدبقية المجاورة” لإصلاح الدماغ. وقد استعانت مجموعته بفيروس غير ضار، حُقن في الدماغ، ليُصيب الخلايا النجمية ويُدخل الحمض النووي الذي يرمز إلى NeuroD1، وهو عامل نسخ يُنشّط الجينات التي يُعبّر عنها عادة في الخلايا العصبية. ويبدو أنّ إعادة البرمجة تدفع الخلايا النجمية الأخرى إلى التكاثر، وهو ما يعتقد أنه قد يمنع العلاج من استنزاف الخلايا النجمية في دماغ.

    ويقول تيموثي مورفي Timothy Murphy، اختصاصي علم الأعصاب من جامعة كولومبيا البريطانية The University of British Columbia في فانكوفر بكندا، الذي يدرس كيف تتغير الدوائر الدماغية بعد السكتة، عن هذا النهج الذي يجري تطويره في العديد من المختبرات التي تعمل بعوامل النسخ المختلفة: “إنه مثير للغاية،” ولكنه يردف قائلًا: “تحتاج هذه الخلايا إلى البقاء، وتحتاج إلى إعادة الاتصال.”

    ولم تُظهر أي مجموعة حتى الآن اتصال الخلايا المعادة برمجتها بالدوائر لتنفيذ وظائف الخلايا العصبية المفقودة. ولكن العديد منها لديها أدلة على أنّ الخلايا تتخذ السمات العصبية الرئيسية. وفي الأسابيع التي تلت حث إصابة دماغ فأرة بسكتة دماغية، رأى فريق تشن أنّ الخلايا النجمية المُعاد برمجتها تُقلّص بعض محاليقها Tendrils النجمية الشكل وتبدأ بإنتاج بروتينات عصبية مميزة. وتبدو أيضًا أنها تُرسل إشارات كهربائية وتمُد أليافًا Fibers جديدة عبر الدماغ وإلى النخاع الشوكي.

    وفي غضون ذلك، فقد وثّق فريق غوتز أنّ الخلايا العصبية المُعاد برمجتها حديثًا حول مكان جرح طعنة تشبه الخلايا العصبية الهَرمية Pyramidal neurons، التي ترسل إشارات استثنائية. (والآن يثير فريق غوتز، مثل غيرهم من الفرق البحثية، كيف أنّ مجموعات مختلفة من عوامل النسخ تدفع الخلايا النجمية إلى أن تكون أنواعًا مختلفة من الخلايا العصبية). كما وجد الباحثون أنّ الخلايا العصبية التي أُعيدت برمجتها حديثًا تعبر عن علامات مختلفة، وترسل إسقاطات مختلفة اعتمادًا على أي طبقة من القشرة الدماغية هي فيها، مثلما تفعل الخلايا العصبية المحلية.

    وإنّ هذا الأمر كما يقول تشن لي زانغ Chun-Li Zhang، اختصاصي علم الأعصاب من مركز جامعة جنوب غرب تكساس الطبي University of Texas Southwestern Medical Center في دالاس: “مفاجئ للغاية.” وهو يستكشف عملية إعادة برمجة مختلفة تحول الخلايا النجمية إلى خلايا سلفية بدائية عصبية Primitive neural progenitor cells لتصبح بعدها خلايا عصبية بشكل تدريجي. ويتعين على كلا النهجين التغلب على الشكوك، كما يقول. ولا يتوقّع كثير من الباحثين أن تُقدّم الخلايا العصبية الوافدة فجأة إلى الدماغ البالغ، لتنضج وتعمل بشكل طبيعي.

    ويقول: “لإقناع الناس بالفعل، نحن بحاجة إلى أن نكون حذرين جدًا،” في توثيق الخطوات خلال مراحل تحول هذه الخلايا – ولإثبات أنها تبدأ في صورة الخلايا النجمية وتنتهي كخلايا عصبية ناضجة.

    كما بدأ العلماء بالبحث عن دلائل تُشير إلى أنّ هذا النهج يساعد الحيوانات على الشفاء. وفي دراسة نُشرت في أبريل على الموقع الإلكتروني خادم ما قبل الطباعة BioRxiv، ذكرت مجموعة تشن أنّ الخلايا التي أعيدت برمجتها حسّنت قدرة الفئران على المشي واستخدام أطرافها الأمامية بعد السكتة الدماغية. وفي المؤتمر، ألمح إلى أنّ النهج نفسه قد أعاد النسيج العصبي في أدمغة النسانيس المصابة بالسكتة الدماغية. وتجارب قياس استردادها للعافية مستمرة بمُنشأة مشاركة في البحث بالصين، كما يقول.

    أسّس تشن شركة لتطوير علاجات تعتمد على إعادة برمجة الخلايا النجمية، بما في ذلك خليط من الجزيئات الصغيرة التي قد تُعيد برمجة الخلايا دون الحاجة إلى إجراء جراحة في الدماغ أو استخدام فيروس. وقال تشن للجمهور في تقديم المؤتمر الخاص به: “أعتقد أنّ هذا هو المستقبل،” وأضاف قائلًا: “إنها الحدود التالية في الطب التجديدي Regenerative medicine.”

    وسيندي مرشد Cindi Morshead، اختصاصية علم بيولوجيا الخلايا الجذعية  من جامعة تورنتو University of Toronto (اختصارًا: الجامعة U of T) في كندا، أكثر حذراً. إذ تقول إنّ العلماء لا يفهمون تمامًا دور الخلايا النجمية في الدماغ بعد الإصابة، لكنها: “موجودة هناك لغرض ما.” ومع استعداد مجموعتها لاختبار الاستراتيجية، توقعت بأنها ستجعل حال الحيوانات المصابة أكثر سوءًا.

    وهي أكثر تفاؤلاً الآن. ففي المؤتمر كشفت زميلتها التي تشاركها في الأبحاث في الجامعة U of T مريم فايز Maryam Faiz أنّ الفئران التي حُقنت بالبروتين NeuroD1 بعد أسبوع من حدوث السكتة الدماغية قد استعادت الوظيفة الحركية بسرعة أكبر من الفئران غير المعالجة، وقد كانت بعضها عاجزة تماما قبل ذلك. وبعد شهرين من العلاج كان أداء الفئران مساويا تقريبا لأداء الفئران في مجموعة التحكم (الضابطة/المقارنة) في اختبارات المشي. واتضح أنه أعيدت برمجة ما نسبته 20% من الخلايا العصبية برمجة كلية.

    والنتائج في السكتة الدماغية هي من بين أولى بارقات الأمل. وفي العام الماضي، أفاد باحثون سويديون أنهم أعادوا بعض الوظائف الحركية في نموذج لداء باركنسون في الفئران عن طريق إعادة برمجة الخلايا النجمية إلى خلايا عصبية مُنتِجة للدوبامين Dopamineproducing.

      أما مرشد فقد شجعتها النتائج على مواصلة التجربة. وهي الآن تريد الانتظار بعد الإصابة بسكتة دماغية لفترة أطول قبل أن تحقن الفئران. فبمجرد أن يصبح عجز السكتة الدماغية مزمنا في البشر، “لا يعود لدينا أي علاج لهم،” كما تقول. وإذا استفادت الفئران العاجزة منذ فترة طويلة من خلاياها العصبية الجديدة، كما تقول، “فإن ذلك سيكون أروع شيء على الإطلاق.”

 Ósciencemag.org

Show More

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Close