الطب وصحة

خلايا جديدة لمكافحة السرطان تحت التجربة

الخلايا القاتلة الطبيعية المُهندَسة والخلايا البلعمية قد تكون هي العلاجات المناعية القادمة

بقلم: متش ليزلي Mitch Leslie

ترجمة: مي منصور بورسلي

 

 صورة: الخلايا القاتلة الطبيعية (الصفراء) تهاجم خلية سرطانية.

أثبتت مقاتلات السرطان المعروفة بالخلايا CAR  التائية (CAR T- Cells) براعَتها في السنوات الأخيرة، فحصلت ثلاثة علاجات باستخدام الخلايا التائية المُعدّلة ضد سرطان الغدد اللمفاوية Lymphoma أو سرطان الدم (اللوكيميا) Leukemia على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية U.S. Food and Drug Administration. والآن هناك مئات التجارب التي تُطلقها على الأورام الخبيثة الأخرى، بما في ذلك الأورام الصلبة. وقد يكون للخلايا شركاء قريباً. إذ سلّح الباحثون حُرّاس آخرين للمناعة – الخلايا القاتلة الطبيعية Natural Killer Cells والخلايا البلعمية Macrophages – بالنوع نفسه من مُستقبِلات تعقّب السرطان، وقد ظهرت الخلايا القاتلة الطبيعية أول مرة في التجارب السريرية.

وقد ألهمت الخلايا CAR  التائية- ويشتق اسمها من مستقبل المستضدات الخيمرية Chimeric Antigen Receptor (اختصارًا: الخلايا CAR)، الذي يُضاف إلى مساعدة الخلايا المناعية على استهداف الخلايا السرطانية – العملَ الجديد. وقد تكون الخلايا CAR القاتلة الطبيعية CAR Natural Killer Cells (اختصارًا: الخلايا CAR NK) أكثر أمانًا، وأسرع إنتاجًا، وأرخص تكلفة، كما أنها قد تعمل في حالات تتعثر فيها الخلايا التائية. وتمتلك الخلايا البلعمية (المُلتَهِمة) التي تحمل خلايا CAR مزايا محتملة أيضًا، كما إنّ احدى الشركات تخطط لإطلاق أولى التجارب السريرية لهذه الخلايا في العام المقبل.

وعلى الرغم من أنه من غير المحتمل أن تحل محل الخلايا CAR التائية، إلا أنّ هذه المقاتلات البديلة للسرطان “قذ أن تكون إضافة إلى خزينة العلاجات الخلوية”، كما تقول اختصاصية أمراض الدم والأورام كاتي رضواني Katy Rezvani من مركز أم دي أندرسون للسرطان MD Anderson Cancer Center بجامعة تكساس (اختصارًا: المركز MD Anderson  (في هيوستن. وهي التي تقود أوّل تجربة الخلايا CAR NK في الولايات المتحدة، منذ أن بدأت في عام 2017، كما أنها تعمل على تنظيم تجربة أخرى من المقرر أن تبدأ هذا العام.

ويتضمن عمل خلايا CAR  التائية إزالة الخلايا التائية الخاصة بالمرضى وتعديلها جينيًا لمهاجمة الخلايا السرطانية التي تحمل مستضدًا أو جزيئًا معينًا محفزًا للمناعة. (كل العلاجات التي تستخدم الخلايا CAR التائية التي وافقوا عليها حتى الآن تستهدف البروتين CD19 الموجود على خلايا B السرطانية، وهي نوع من الخلايا المناعية.) وقد أظهرت الخلايا نتائج مذهلة في التجارب السريرية – تسببت في حدوث انتكاسات في 83% من الأطفال الذين يعانون سرطان الدم الليمفاوي الحاد غير القابلة للعلاج في إحدى الدراسات. ولكن ربما لا يكون لدى بعض المرضى الذين خضعوا بالفعل للعلاج الكيماوي أو العلاج الإشعاعي ما يكفي من الخلايا التائية للتبرع. ويمكن لهذه المحارِبات المناعية القوية أن تحفّز فيضًا مميتًا من جزيئات نظام المناعة المعروفة بالسيتوكينات Cytokines أو أنها تهاجم خلايا الجسم الطبيعية.

وعلى الرغم من ذلك، لعل العيب الأكبر في خلايا CAR  التائية، يكون في أنها لا تعمل بشكل جيد ضد الأورام الصلبة، كما يقول اختصاصي أمراض الدم والأورام سار غيل Saar Gill من جامعة بنسلفانيا. ترفض الأورام الخلايا التائية التي تحاول الولوج، وتثبّط الخلايا المناعية التي تنجح في الدخول، ويمكنها أن تحد من إنتاج المستضدات التي تستهدفها الخلايا CAR التائية. ويحاول الباحثون استخدام عدة أساليب لتحسين أداء الخلايا CAR  التائية ضد الأورام الصلبة. ويقول العلماء إنّ الخلايا NK CAR تُعتبر بديلًا مغريًا.

وتقول رضواني: “إن الخلايا NK CAR هي خط دفاعنا الأول ضد الخلايا السرطانية.” فهي تمسح الخلايا الأخرى في الجسم وتُدمّر المُعتلّة أو غير الطبيعية منها، بما في ذلك الخلايا الأورام. ويحاول الباحثون تسخير نشاط مكافحة الخلايا NK CAR للسرطان التي لا تحمل الخلايا CAR لأكثر من 20 سنة، كما يشير جيفري ميلر Jeffrey Miller، اختصاصي ألامراض المناعية النقيلية من جامعة مينيسوتا University of Minnesota في مينيابوليس. ولكن يبدو أن تحسينها من خلال إضافة الخلايا CAR يزيد من فعاليتها.

وفي وقت سابق من هذا العام، على سبيل المثال، ذكر عالم أحياء الخلايا الجذعية دان كوفمان Dan Kaufman، من جامعة كاليفورنيا University of California (اختصارًا: جامعة UC) في سان دييغو، وزملاؤه أنّ مستوى أداء الخلايا CAR NK في الفئران ضد أورام المبيض هو بجودة أداء الخلايا CAR  التائية- وأفضل بكثير من الخلايا CAR NK غير المعدلة. وتُظهر تجارب الفئران أيضًا أنّ الخلايا CAR NK  ربما لا تسبب بعضًا من الآثار الجانبية التي تسببها الخلايا CAR  التائية، كالإفراز المُفرط للسيتوكين والأضرار العصبية. وقد تكون الخلايا CAR NK أيضًا أقل تأثرًا ببعض حيل الأورام في تجنّب هجوم الخلايا عليها. ولأنّ الخلايا CAR NK تعتمد على مستقبلات أخرى للتعرف على خلايا الورم، وليس على الخلايا CAR فقط، فقد تكون قادرة على اكتشاف الورم حتى ولو هَمَّ بتغيير مستضداته. وإضافة إلى ذلك، يُشير كوفمان إلى أنه قد يكون من الممكن إعطاء المرضى جرعات عديدة من الخلايا CAR NK للتركيز على استهداف الأورام، في حين أن تكلفة الخلايا CAR  التائية تُقيّد المرضى لجرعة واحدة.

وقد بدأت أولى تجارب الخلايا CAR NK في الصين عام 2016 على المرضى الذين يعانون عدة أنواع من السرطان – وتشير النتائج المبكرة من إحدى التجارب إلى أنّ الخلايا آمنة. وتُحرّض رضواني وزملاؤها في تجربتها الأولية الخلايا ضد أنواع متعددة من سرطان الغدد الليمفاوية وسرطان اللوكيميا. وقد بدأت تجربة أوروبية هذا العام، باختبار الخلايا CAR NK لدى مرضى سرطان الدماغ الأرومي الدبقي Glioblastoma. وفي تجربة مركز MD Anderson للسرطان القادمة، سيحصل مرضى سرطان الغدد الليمفاوية الخلايا B، وهو نوع من سرطان الدم، على زراعة خلايا جذعية وعلاج كيميائي قبل حقنهم بالخلايا CAR NK، والتي يأمل الباحثون بأنها سوف تُزيل ما قد يتبقى من الخلايا السرطانية.

ويقول ميتشل كايرو Mitchell Cairo، اختصاصي أمراض الدم من كلية نيويورك الطبية New York Medical College في هوثورن: “أعتقد أن المستقبل مشرق بالنسبة إلى الخلايا CAR NK، لكننا في البداية.” وليس من المعروف ما هو أفضل مصدر لهذه الخلايا. إذ يمكن أن تُحفّز الخلايا التائية المأخوذة من شخص آخر غير المريض إلى مضاعفات مناعية من المحتمل أن تكون مميتة تُعرف باداء الطعم حيال المُضيف (عدم توافق الطعم مع المُضيف) Graft-versus-Host Disease، إذ تهاجم الخلايا المزروعة أنسجة المتلقي لها. ولكن الخلايا NK من متبرع لا يبدو أنها تسبب هذه الاستجابة؛ مما يفتح أمامنا مدى من الخيارات. وعلى الرغم من أنّ نخل الخلايا NK من دم المتبرعين أمر محتمل، إلا أنّ الإجراء مُكلف ويمكن أن يَضر بالمانحين. وبدلاً من ذلك، تعتمد كل من تجربتي المركز MD Anderson على الخلايا NK المستخلصة من دم الحبل السري التي تُزرع فيما بعد مع الخلايا CAR. وهناك وفرة في دم الحبل السري المُتبرع ويمكن زرع الكثير من الخلايا NK منه.

وفي المقابل أنتجت التجارب الصينية والأوروبية ما يكفي من الخلايا NK عن طريق التحول إلى خط خلوي مشتق من شخص مصاب بنوع من الأورام اللمفاوية. وهذه الخلايا هي من المواد الأساسية للتجارب السريرية، وعلى الرغم من أصلها السرطاني، فإنها تبدو آمنة، كما يقول تورستن تون Torsten Tonn، اختصاصي الأمراض المناعية من الجامعة التقنية في دريسدن Technical University of Dresden في ألمانيا، وهو أحد الباحثين المشاركين في تجربة الأورام الأرومية الدبقية Glioblastoma. ويستكشف كوفمان وزملاؤه أيضاً مصدراً آخر محتملاً للخلايا NK: الخلايا الجذعية المُستحثَّة المُحفَّزة، والتي تنتج من طريق دفع خلايا الجسم البالغة إلى العودة إلى الحالة غير المتخصصة.

وقد أن تؤدي كل هذه الطرق إلى جعل الخلايا CAR NK في متناول اليد؛ إذ لا تحتاج إلى استخراج خلايا مريض السرطان وتعديلها. ويشير ميلر إلى أنّ الجهاز المناعي للمريض سوف يرفض في النهاية أي خلايا دخيلة غير طبيعية. ولكن قبل حدوث ذلك، تعتقد رضواني وغيرها من الباحثين أنّ الخلايا NK المُتبرَّع بها لها نافذة زمنية يمكنها من خلالها مكافحة الخلايا السرطانية. والسؤال، كما تقول، هو ما إذا كانت ستستمر لفترة كافية حتى يستفيد المرضى منها.

ويمكن للخلايا البلعمية أن تدمر الخلايا السرطانية مثل الخلايا NK، ولكن المشكلة هنا هي أنّ معظم البلاعم داخل الورم خائنة، فهي تساعد الورم عن طريق قمع الهجمات المناعية ضده، على سبيل المثال. ويقول غيل: “تحصل الأورام على البلاعم لدعم نموها وتحولها إلى توابعها الخاصة.” لكنه اكتشف مع طالب الدراسات العليا، مايكل كليتشنسكي Michael Klichinsky الذي تحت إشرافه، إنّ طريقة تزويد البلاعم بالخلايا CAR تمنعهم من تبديل الصف. وقد ساعد الثنائي على تأسيس شركة كاريزما الدوائية Carisma Therapeutics في فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا التي من المتوقع أن تبدأ بإجراء التجارب الإكلينيكية على البلاعم المزودة بالخلايا CAR في العام المقبل.

وعلى الأقل في المختبر، فإنّ إضافة خلايا CAR إلى البلاعم يعزز قدراتها على مكافحة الورم، مثلما هي الحال بالنسبة إلى الخلايا المناعية الأخرى، كما أفادت ميغان موريسي Meghan Morrissey، باحثة ما بعد الدكتوراه من جامعة UC في سان فرانسيسكو وزملاؤها. ولكن كيم أونيل Kim O’Neill، اختصاصي المناعة في علم الأورام من جامعة بريام يونغ Brigham Young University في بروفو بولاية يوتا، والذي يقود مجموعة أخرى تحاول تحسين قدرات الخلايا على قتل الأورام، يقترح أنّ الخلايا البلعمية يمكنها أن تحقق أفضل فائدة من خلال توظيف خلايا مناعية أخرى. فعلى سبيل المثال، تستجيب الخلايا التائية لبقايا الحطام الخلوي بعد ذلك بالتهام الخلايا البلعمية خلايا الورم، لذلك فهو يتصور أنّ المرضى سيتلقون البلاعم المزودة بالخلايا CAR مع الخلايا CAR التائية. ومثل المُحققين العظام، قد تستفيد حتى أقوى خلايا مكافَحَة السرطان من مُساعد موهوب.

 

Ósciencemag.org

 

Show More

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Close