فلك وعلم الكونيات

علم الكواكب

بيبي كولومبو مُكرّس لِسَبر خفايا عُطارد البعثة الأوروبية – اليابانية المُشتركة ستختبر الكيفية التي تشكّل بها عُطارد

 بقلم: دانييل كليري Daniel Clery  ودينيس نورمايل Dennis Normile
ترجمة: مي منصور بورسلي

 شرح الصورة: الحمم تغطي نصف الكرة الشمالية من عطارد (اللون الخمري) في هذه الصورة ذات الألوان الزائفة.

كوكب عُطارد Mercury صغير ومُتجاهَل نسبيًا لكنه يخفي أسرارًا كبيرة. إذ تمكّنت سفينتان فضائيّتان فقط من إتمام رحلة صعبة إلى ضواحيه المشمسة. والآن يحين وصول الزائر الثالث للكوكب والأكثر طموحًا، ألا وهو البعثة الأوروبية – اليابانية بيبي كولومبو BepiColombo، وهي عبارة عن زوج من المسابير التي أطلقت في 25 أكتوبر، وذلك ليواصلا مسيرة الزائر الأخير، أي بعثة المركبة المدارية مسنجر التابعة للإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء   National Aeronautics and Space Administration (اختصارًا: الوكالة ناسا NASA) في عام 2015. سَتَسبِرُ البعثة بيبي كولومبو الأمور المُحيِّرة بما في ذلك المجال المغناطيسي المنبعج في عطارد ونواة الحديد المُصمتة والمُنخفضات الغريبة المُشابهة للبحيرات التي ربما نُحِتت نتيجة لتسرّب العناصر المتطايرة.

“لقد ألقى مسنجر بالفعل تساؤلات حول العديد من النظريات حول كيفية تَكوّن هذا الكوكب،” كما تقول إيما بونس Emma Bunce عضو فريق بيبي كولومبو من جامعة ليستر University of Leicester في المملكة المتحدة. ويقول عالِم البعثة يوهانِس بنكوف Johannes Benkhoff، من مركز التكنولوجيا التابع لوكالة الفضاء الأوروبية European Space Agency (اختصارًا: الوكالة ESA) في نوردفيك بهولندا: “جاء بيبي كولوكبو بتوقيت مثالي وكُرّس للإجابة عن هذه الأسئلة.”

وقام أوّل مسبار لعطارد، مارينر 10 Mariner 10)) التابع للوكالة ناسا، بسلسلة من التحليقات العابرة في عامي 1974 و1975، قبل المركبة مسنجر بأربعين سنة. إلّا أنّ وضع مركبة فضائية في مدار حول عطارد دون أن تنهار في الشمس كان مشكلة عويصة. وفي ثمانينات القرن العشرين عمل مخططوا المهمة على تنفيذ سلسلة معقدة من الطيران المُساعِد بجاذبية الكواكب الأخرى اللازمة للرحلة، بناء على العمل الذي قام به الفيزيائي الفلكي الإيطالي جيوسيبي (اختصارًا: بيبي Bepi) كولومبو Giuseppe  Colombo، والذي كُرّم الآن من قِبل البعثة الجديدة. وقد أخّر أيضًا تحدٍ آخر – كيفية تحمل إشعاع شمسي بقوة تصل إلى عشرة أضعاف قوته على الأرض أثناء مراقبة سطح حامي لدرجة 400 سيليزية – مهمة ثانية. يقول شون سولومون Sean Solomon، مدير مرصد لامونت دويرتي للأرض Lamont-Doherty Earth Observatory في باليساديس بولاية نيويورك، الذي قاد بعثة مسنجر: “لم تقض مركبة فضائية وقتًا طويلاً بالقرب من الشمس قطُّ.”

وقد نالت بعثتي وكالة الفضاء الأوروبية وناسا على الموافقة في أواخر التسعينات القرن العشرين، إلّا أنّ بعثة مسنجر الأصغر حجماً التي كلّفت 450 مليون دولار حصلت على منصة الإطلاق أولاً ووصلت إلى عُطارد في عام 2011. أمّا بعثة بيبي كولومبو الأكثر طموحًا التي كلّفت 1.65 بليون يورو، فقد واجهت بضع عقبات أثناء التطوير، بما في ذلك المصفوفات الشمسية التي تدهورت بسرعة كبيرة، مما أجّل إطلاقها لما يقارب خمس سنوات. وانضمت اليابان إلى البعثة في عام 2003، متحمسة للبناء على نجاحها في مراقبة المجال المغناطيسي الكوكبي في بعثة جيوتايل Geotail في عام 1992، والتي درست ذيل الغلاف المغناطيسي Magnetosphere للأرض. ويقول غو موراكامي Go Murakami، عالم المشروع في الجانب الياباني من بيبي كولوكبو في معهد الفضاء وعلوم الجو الفضائي التابع للوكالة اليابانية لاستكشاف الملاحة الفضائية (اختصارًا: الوكالة ISAS) في ساغاميهارا: “لا توجد حقول مغناطيسية في المريخ ولا الزهرة، لذلك كان عطارد هو الهدف.”

ومساهمة الوكالة ISAS عبارة عن مركبة فضائية منفصلة بها خمسة أجهزة تركز على الغلاف المغناطيسي، في حين أنّ مركبة وكالة ESA المدارية الأكبر حجما، ذات إحدى عشرة أداة، مُجهزة لدراسة الكوكب نفسه. وبعد الإطلاق من ميناء الفضاء الأوروبي التابع لوكالة الفضاء الأوروبية ESA في غيانا الفرنسية، ستبدأ المركبتان المتلاصقتان رحلة مدتها سبع سنوات، يتأرجحان مرة واحدة حول الأرض ومرتين حول الزهرة وست مرات حول عطارد قبل أن ينفصلا أخيراً ليستقرا في مدار حول عُطارد في عام 2025.

وأحد الألغاز التي تنتظر المهمة هو اكتشاف مسنجر للعديد من العناصر المتطايرة على سطح الكوكب بما في ذلك الكلور والكبريت والبوتاسيوم والصوديوم التي كان من المفترض أن تغليها حرارة الشمس منذ فترة طويلة. ويقول بنكوف: “هناك شيء غريب في تاريخ تكوين عطارد.” وتدل  نسبة البوتاسيوم إلى الثوريوم على درجة حرارة الكوكب أثناء التكوين. ويقول بنكوف إنّ نسبة عطارد تشير إلى أصلٍ أكثر برودة وأنه تَكّون أبعد من المريخ. إذ إنّ المواد المتطايرة أكثر وفرة في تلك المسافات، ولو تشكّل عطارد وراء المريخ ثم انحرف في وقت لاحق فقط؛ لكان قد احتفظ بمخزون أكبر من المواد المتطايرة.

وستقوم البعثة بيبي كولومبو بإعداد خريطة أكثر وضوحًا للمواد المتطايرة من مسنجر، وذلك بفضل مطياف التصوير الذي يحدد العناصر من خلال كيفية تألقها عند تعرضها للأشعة السينية الشمسية. وقد يساعد ذلك على تتبع فقدان المواد المتطايرة اليوم. ومن الممكن تكوّن المنخفضات التي اكتشفتها مسنجر، بعمق عشرات الأمتار وبعرض مئات المرات، نتيجة تسرّب الغازات. وإذا تغير أي شيء منذ زيارة مسنجر، فإنّ ذلك سيشير إلى استمرار انبعاث كمية كبيرة من المخزون المتطاير إلى الفضاء.

وسوف تتمعّن بيبي كولوكبو أيضًا بفحص التناقضات الغريبة بين شمال الكوكب وجنوبه. إذ توجد في الشمال مساحات شاسعة مغطاة بمادة بركانية ناعمة التي من الممكن أن تكون قد اندلعت في الآونة الأخيرة نسبيًا، في حين أنّ الجنوب مليء بالفوهات وقديم. ويعكس حقل عطارد المغناطيسي الفرق، إذ إنه يحوله أيضًا إلى الشمال. وسولومون يتساءل: “كيف ارتبطت هذه التباينات؟”

ويوجد في باطن عطارد شذوذ آخر يتعين على البعثة استكشافه: اللب الحديدي الهائل للكوكب، الذي يمتد إلى 80% من نصف قطره، وتحيط به طبقة رقيقة نسبيًا من الصخور. وإحدى النظريات هي أنه في وقت مبكر من الحياة، تعرّض عطارد لاصطدام بجرم آخر مما فجّر معظم المواد الصخرية الأخف تاركًا وراءه الحديد الثقيل. ويتوقع الباحثون أنّ اللب الحديدي قد برد وتصلّد في الوقت الحالي، لكن بعضا منها على الأقل لا يزال سائلاً ومخضا، مولّدًا بذلك مجالًا مغناطيسيًا.

وعلى الرغم من أنّ الحقل أضعف بمقدار مئة مرة من الأرض، إلّا أنه يُسرّع الإلكترونات من الرياح الشمسية إلى مستويات طاقة عالية، وهي ظاهرة لا تحدث في الغلاف المغناطيسي للأرض. ويقول جيمس سلافن James Slavin، وهو الباحث الرئيس في بعثة مسنجر من جامعة ميشيغان University of Michigan في آن آربور، وجب أن تساعد أجهزة مقياس المغناطيسية على متن المركبة الفضائية الأوروبية واليابانية الفريقَ على فهم العمليات الكامنة وراء تعزيز الطاقة، ويتوقع أن تكون هناك، كما يقول: “إجابات نهائية لهذا الغموض.”

وقد تكون لدراسات الغلاف المغناطيسي آثار خارج نطاق النظام الشمسي. إذ يُمكن أن تستضيف الكواكب خارج المجموعة الشمسية Exoplanets التي تدور حول نجوم قزمة حمراء باردة الماء السائل- والحياة التي يمكن تصورها تبعًا لذلك. ولكن لأنها تدور حول نجومها بشكل أوثق من دوران عطارد حول الشمس، فإنها على الأرجح تواجه رياحا نجمية قوية ومستويات إشعاعية معادية للحياة، ما لم يكن الكوكب محميًا بغلاف مغناطيسي مثل عطارد. ويقول موراكامي: “إذا أردنا أن نفهم ما إذا كان يمكن للحياة [البقاء]على مثل هذه الكواكب، فإنّ أحد الأجزاء المهمة هو الغلاف المغناطيسي.”

Show More

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Close