الطب وصحة

لا اتفاق حول مضادات الاكتئاب. إليك ما تحتاج إلى معرفته

يعتبرها البعضُ منقذةً للحياة، والبعض الآخر يعتبرها غير نافعة بل مسببةً للإدمان. وينظر تقريرنا الخاص إلى سبب اختلاف المختصين حول مضادات الاكتئاب، وما هي الحقيقة حولها.

 

بقلم: كلير ويسلون Clare Wilson
ترجمة: د. عبدالرحمن سوالمه

تقول سوزي باربر التي تعيش في لندن: «كانت تلك سنة مليئة بالأشياء السيئة جدًا.» ففي عام 2006، انتحر أخوها، ومات صديقها بسبب السرطان، وفقدت هي عملها كصحفية وتضاءل عملها الحر رويدًا رويدًا. ولما لم يكن هناك ما يكفي لإشغالها، بدأت باربر بالإفراط بالتفكير في صغائر الأمور وتقول: «كان كل شيء يبدو كأنه شديد الأهمية.»

غاصت باربر في حالة من اليأس وكره النفس فتقول: «لا يمكنك أن تحفز نفسك أن تقوم بأي عمل، ومن ثم تغدو غير منتج. ويظهر ذلك في نفسك بأن تكره نفسك أكثر، وتشعر بأنك تتمايل على شفا حفرة عميقة.»

وفي النهاية، وافقت باربر على نصيحة طبيبها وبدأت بتناول مضادات الاكتئاب. وخلال ستة أسابيع، صارت في طريقها إلى الشفاء. وساعدتها المشورة الطبية، ولكنّ «الحبوب التي ساهمت في ذلك، ربما أنقذت حياتي،» وذلك بحسب قولها.

تتزايد نسبة استخدام مضادات الاكتئاب في العالم. وتعتبر القصص المشابهة لقصة باربر دليلًا مقنعًا على أن الأدوية يمكنها أن تكون مفيدة. ومع ذلك يبدو أنه لا يكاد يمر شهر دون أن تعلن وسائل الإعلام رفضها لها كـ «حبوب السعادة» وتنعتها بأنها تسبب «الإدمان» أو تحول الناس لكائنات زومبي. وفي الوقت نفسه يختلف الخبراء حول ما إذا كانت التأثيرات الكيميائية الحيوية التي تُزعَمُها هذه الأدوية حقيقية فعلًا، ويحتدم الخلاف أيضًا حول آثارها الجانبية والأعراض الانسحابية واحتمال الإدمان. إذن، ماذا علينا أن نصدق، وإن كان يجب على أحد أخذ هذه الأدوية، فمن هو الذي يجب عليه ذلك؟

غالبًا ما ينظر إلى الاكتئاب على أنه مرض حديث، ولكنه لطالما كان مرافقًا لنا، ولكن تحت مسميات مختلفة: السوداوية Melancholia، أو انهيار عصبي Nervous breakdown، وأحيانًا يسمى أعصاب Nerves. ولمدة طويلة لم يستطع الأطباء فعل الكثير لمساعدة المرضى، ولكن بحلول خمسينات القرن الماضي، ظهرت الأدوية الأولى. كانت مضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقات أول هذه الأدوية. كانت هذه الأدوية أقل من أن تكون مثالية، مسببة آثارًا جانبية كزيادة الوزن والنعاس. وكان إعطاؤها للناس المعرضين لخطر الانتحار مخاطرةً بحد ذاته؛ إذ إن الوصول إلى جرعة مفرطة قاتلة لا يتطلب الكثير من الحبوب. وكانت هذه الحبوب لا تُعطى إلا للحالات الشديدة جدًا.

واختلف الحال بإطلاق البروزاك Prozac عام 1988. وكان هو الأول من عائلة من الأدوية تعرف بمثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية Selective serotonin reuptake inhibitors (واختصارًا: العقاقير SSRIs) والتي يقال إنها تعمل عن طريق زيادة مستويات جزيءٍ مرسلٍ للإشارات في الدماغ يسمى السيروتونين. ويعتبر البروزاك أكثر أمانا من الأدوية التي سبقته، وأقل احتمالًا لأن يسبب آثارًا جانبية، وكان يجب أن يعطى مرة واحدة في اليوم، ومن ثم سرعان ما ازدهرت مبيعاته. وفي عام 1990 احتلت الكبسولة الخضراء والبيضاء صفحة الغلاف من مجلة نيوزويك Newsweek. بل إن الطبيب النفسي بيتر كرامر Peter Kramer في كتابة الاستماع إلى البروزاك Listening to Prozac الذي نشر عام 1993 قال إن الدواء جعل مرضاه يشعرون بأنهم «أفضل من الطبيعي.»

وبنجاح البروزاك، تسابقت شركات أخرى لتطوير أنواع أخرى من العقاقير SSRI، وكذلك أدوية أخرى معروفة بالعقاقير SNRIs، والتي تزيد من مستويات النورأدرينالين Noradrenaline أيضًا، وهي مادة كيميائية أخرى في الدماغ. وتوسعت الحالات المرضية التي تستخدم لها هذه الأدوية ليشمل: التوتر Anxiety ونوبات الهلع Panic attacks، والاضطراب الوسواسي القهري Obsessive-compulsive disorder.

والآن، هناك ما يقرب من أربعين نوعًا من مضادات الاكتئاب، وهي من أكثر الأدوية وصفًا في العديد من الدول الغربية. وزاد عدد الوصفات الطبية ما بين عامي 2000 و2015 في الدول التسع والعشرين التي فحصتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية Organisation for Economic Co-operation and Development إلى ما يقارب الضعف. وبحسب الخدمات الصحية الوطنية National Health Service في المملكة المتحدة، في عامي 2015 و 2016، وباستخدام بعض المقاييس، فإن هذه الأدوية وُصفت لما يصل إلى واحد من كل عشرة بالغين في إنجلترا. ويذكر المركز الوطني للإحصائيات الصحية National Center for Health Statistics في الولايات المتحدة أرقاما مشابهة.

وبالنسبة إلى البعض، يعتبر الازدياد في استخدام مضادات الاكتئاب علامة مرحبًا بها في أن الوصمة التي كانت تحيط بمشكلات الصحة العقلية صارت في انخفاض، وأن عددًا أكبر من الناس مستعدون لأن يلجؤوا إل المساعدة الطبية. ولكن، لا يقبل الجميع بوجهة النظر هذه.

فمثلًا، لطالما كانت هناك ثغرات في نظرية «خلل التوازن الكيميائي،» وهي الفكرة القائلة إن العقاقير SSRI تعمل عن طريق تعديل نقص السيروتونين. صحيح أن هذه الأدوية تزيد من مستويات السيروتونين في المشتبكات العصبية بين الخلايا الدماغية، ولكن لا يوجد دليل ثابت على أن المصابين بالاكتئاب لديهم مستويات أقل من السيروتونين مقارنة بالآخرين. بل إن هناك أدلة أقل على أن العقاقير SNRI تعمل عن طريق تعديل الخلل في توازن النورأدرينالين.

آلية غامضة Mysterious mechanism

ولا يعني هذا أن هذه الأدوية لن تعمل. بل إن حتى أكثر الأفراد تشككًا يوافقون عل أن هناك فائدة نفسية لمضادات الاكتئاب. وتختلف هذه الفوائد من شخص إلى آخر، ولكن العديد يصف انخفاضًا في مستوى الانفعالات، وهو شعور بهدوء الأعصاب. وتقول باربر التي وُصِف لها أحد العقاقير SSRI والمسمى سيتالوبرام Citalopram: «كان الدواء كافيًا فقط لتحريري من القلق. وكان هذا هو ما أريده في ذلك الوقت؛ أن يكون كل شيء أكثر فتورًا بقليل.»

ومن الغريب أيضًا أنه وعلى الرغم من أن الفتور يحدث بسرعة، خلال أيام أو أحيانًا خلال ساعات من الجرعة الأولى، فإن الاكتئاب لا يخف إلا بعد عدة أسابيع، وكأن الناس يحتاجون إلى وقت لإعادة تعلم طرقهم القديمة. وأحد التفسيرات البديلة لكيفية عمل مضادات الاكتئاب هو أنها تحفز نمو خلايا دماغية جديدة، وهو الأمر الذي يأخذ أسابيع.

وإضافة إلى الآلية الغامضة، هناك خلاف حول عدد الأشخاص الذين يستفيدون من مضادات الاكتئاب. ويأتي هذا الخلاف من أعمال إيرفينغ كيرش Irving Kirsch، وهو اختصاصي بعلم النفس من كلية طب هارفارد، والذي بدأ بهذا المجال في تسعينات القرن الماضي. ويقول كيرش إنه لم يكن يعترض على مضادات الاكتئاب، وكان يوصي مراجعي العلاج النفسي عنده بها.

كان كيرش يدرس أثر العلاج الغفل Placebo effect، والذي تمثل بالتحسن الغامض في بعض الحالات المرضية، على ما يبدو عن طريق قوة العقل على المادة، وذلك بعد أن أعطي الناس أدوية معروف عنها أنها لا تعمل في هذه الحالات. ومعروف عن مضادات الاكتئاب لعقود أن لها أثر علاج الغفل أكبر بكثير من الأدوية التي يشيع وصفها كالمضادات الحيوية، وهي حالة من قوة العقل على العقل. وعندما جمع كيرش وزملاؤه النتائج من الكثير من الدراسات المختلفة التي قارنت مضادات الاكتئاب بالعلاج الغفل، وجدوا أن نحو ثلث الأشخاص الذين أخذوا حبوب العلاج الغفل أظهروا تحسنًا ملحوظًا؛ وكان هذا متوقعًا. وإضافة إلى الاستجابة الكلاسيكية للعلاج الغفل، قد يكون سبب الأثر أشياء أخرى؛ كالوقت الإضافي الذي قضوه في التحدث إلى الأطباء كجزء من التجربة، أو أنها كانت مجرد شفاءات تلقائية.

الأمر الذي كان مدهشًا هو أن الأشخاص الذين أخذوا مضادات الاكتئاب كانوا أفضل قليلًا من حيث احتمال التحسن مقارنة بمجموعات العلاج الغفل. ومع صعوبة تقبل ذلك، فإن هذا يشير إلى أنه عندما يشعر أشخاص مثل باربر بالتحسن بعد بدء الدواء، لا يكون هذا بالضرورة بسبب الأثر الكيميائي الحيوي لحبوب الدواء على الدماغ.

سببت نتائج كيرش اهتياجًا، ويقول: «كانت الأمور مختلفًا عليها بشكل كبير.» ومنذ ذلك الوقت، فقد كرر العلماء هذه النتائج في عمليات تحليل أخرى، من خلال مجموعته ومن خلال مجموعات أخرى. وكنتيجة، توصي بعض الإرشادات السريرية بالأدوية فقط للمصابين باكتئاب شديد، إذ إن التحاليل التلوية Meta-analyses تشير إلى وجود منفعة أكبر. أما بالنسبة إلى الاكتئاب الخفيف إلى المتوسط، فقد أوصى أطباء المملكة المتحدة في عام 2009 أن يوفروا علاجات بالكلام كبداية في هذه الحالات (انظر: طرق أخرى لعلاج الاكتئاب). ولكن هذا ليس «الدواء لكل داء،» وربما لا يتحصل موعد لعلاج كهذا في هيئة الخدمات الصحية الوطنية إلا بعد العديد من الشهور. ومن الناحية العملية غالبًا ما تكون الحبوب الخيار الأول في المملكة المتحدة والعديد من الأماكن الأخرى.

طرق أخرى لعلاج الاكتئاب Other ways to treat depression

بالنسبة إلى الاكتئاب الخفيف أو المتوسط، توصي إرشادات المملكة المتحدة وأستراليا ونيوزيلندا ودول أخرى بالعلاجات بالكلام كالعلاج السلوكي المعرفي Cognitive behavioural therapy. كما يمكن للتغييرات في نمط الحياة أن يساعد أيضًا، وذلك يشتمل على تقليل نسبة الكحول التي يتناولها المرء، واتباع نمط منتظم في النوم، وزيادة النشاط الجسدي. ويقول نيك ستافورد Nick Stafford من Midlands Partnership NHS Foundation Trust في المملكة المتحدة: «هناك نقص في فهم الناس للأثر الإيجابي للتمارين الجسدية الجيدة.»

بالنسبة إلى المصابين باكتئاب شديد، يعتبر العلاج بالتخليج الكهربائي Electroconvulsive therapy الملاذ الأخير، وهو تعريض الدماغ إلى صدمات كهربائية تحت التخدير. ويظن أن هذا فعال جدًا، ولكنه غالبًا ما يسبب فقدانًا في الذاكرة.

وقد تكون العلاجات الجديدة المبنية على الكيتامين Ketamine متاحة خلال السنوات القليلة القادمة. ومع أنها طُوِّرت كمواد للتخدير، واستخدمت استخدامًا استجماميًا كأدوية نفسية المفعول، وجد الأطباء أن حقنة واحدة منه يمكنها تخفيف الاكتئاب الشديد، وله آثار تستمر لعدة شهور.

ومؤخرًا، هناك تطورات جديدة تشير إلى أن انتقاد مضادات الاكتئاب كان في غير موضعه؛ ففي أبريل، نشرت دورية ذ لانسيت The Lancet التحليل الأكبر حتى الآن، والذي قاده الطبيب النفسي أندريا تشيبرياني Andrea Cipriani من جامعة أكسفورد University of Oxford. وشمل البحث واحدا وعشرين من أكثر مضادات الاكتئاب شيوعًا وشمل أكثر من 500 تجربة عالمية، بعضها منشور وبعضها غير منشور، وفيها ما يزيد على 100,000 مشارك. ولكل من هذه الأدوية، كان احتمال انتفاع الناس بمضادات الاكتئاب أكبر من الحبوب الغُفل. وكان حجم التأثير يختلف، ولكن أغلب الأدوية كانت ذات احتمال أكبر بـ %50 لأن تحدث استجابة مقارنة بالعلاج الغفل.

نشرت هذه النتائج على أنها «القول الفاصل» في هذا الخلاف. ولكن هذا بعيد كل البعد عن ذلك؛ إذ يقول كيرش إن المؤلفين استخدموا مقياسًا مضللًا للتعبير عن نجاعة الأدوية. عادة ما يُقَيَّم الاكتئاب باستخدام استبانة تعطيك رقمًا على مقياس هاملتون للاكتئاب Hamilton Depression Scale يكون بين 0 و 52، ويزيد مع شدة الأعراض. من المؤكد أن مضادات الاكتئاب زادت من احتمال الحصول على استجابة إيجابية عند الناس. ولكن كيرش يشير إلى أن الذين تناولوا الأدوية أظهروا متوسط انخفاض على مقياس هاملتون أقل بنقطتين فقط من الذين أخذوا حبوب العلاج الغفل، ويقول: «هذا أثر بالغ في الصغر.»

ولكن على الأقل هناك أثر قابل للقياس، وذلك بحسب جون إيونيديس John Ioannidis من جامعة ستانفورد Stanford University في كاليفورنيا، وأحد الذين قاموا بالتحليل المنشور في دورية ذ لانسيت. ويقول: «يمكنك النظر إلى ذلك على أنه مسألة نصف الكأس الفارغ أو الممتلئ.»

كما أن متوسط الأثر يخفي الكثير من التباين في الاستجابات، وذلك بحسب جيمس وارنر James Warner، وهو طبيب نفسي من كلية لندن الإمبراطورية. ويقول: «النظر إلى متوسط الاستجابة يساوي بين أولئك الذين لم يستجيبوا قطُّ والذين استجابوا بشكل جيد جدًا.»

وكما هي الحال مع كل الأدوية، يجب أن نوازن بين المنافع والمخاطر المحتملة. كما نلاحظ تباينا بين الأفراد من حيث الآثار الجانبية. وصحيح أن هذه الآثار أقل بشكل عام من تلك التي كانت مضادات الاكتئاب القدمية تسببها، إلا أن الآثار غير المرغوب بها في الحبوب الجديدة كالبروزاك تشمل الأرق والاهتياج ونقص الرغبة الجنسية. كما يمكن لها أيضًا أن تتسبب بتفاعلات منذرة بالخطر، كالاندفاع للعنف أو للانتحار، ولكنها نادرة. وحتى دافيد هيلي David Healy، وهو طبيب نفسي من وحدة هيرغست Hergest Unit في بانغور بالمملكة المتحدة، والذي ساعد على نشر هذه الآثار، لا يزال يوصي بالأدوية للمرضى المصابين بقلق شديد أو للذين استجابوا للأدوية في نوبات اكتئابية ماضية؛ ويقول: «يحتاج الأفراد إلى أن يدركوا أن الأدوية تأتي مع بعض المخاطر. ولكنها قد تكون مفيدة.»

يظن العديد من الأطباء أن مضادات الاكتئاب تستحق التجربة، ويمكنهم دائمًا أن يوقفوها إن صارت الآثار الجانبية سيئة جدًا. ويقول وارنر: «سيوازن كل طبيب بين الخطر والمنفعة ويناقش ذلك مع المريض.»

ولكن الأمر ربما لا يكون بهذه البساطة؛ إذ يُبلِّغ بعض مستخدمي مضادات الاكتئاب عن حدوث تفاعلات عند إيقاف الدواء، وهذا يشمل القلق، والأرق، وهجمات من الدوخة، والتي تستمر لشهور. ولا يُعرف ما الذي يسبب هذه «الأعراض الانسحابية،» ولكن الحيوانات التي أعطيت العقاقير SSRI لمدة مطولة استجابت عن طريق تقليل مستويات مستقبلات السيروتونين في أدمغتها، ومن ثم أبقت على مستويات السيروتونين ثابتة. ومن المنطقي التفكير في أن الأشخاص عندما يتوقفون عن أخذ العقاقير SSRI، تكون مستويات السيروتونين قليلة جدًا، وهو ما يحفز ظهور الأعراض.

النصيحة العامة هي التقليل من جرعة مضاد الاكتئاب ببطء. ولكن العديد من الأطباء لا يعلمون مقدار التدرج في التقليل، وبعض مضادات الاكتئاب لا توجد بجرعات قليلة كفاية لتسمح بهذا التقليل، هذا ما يقوله جيمس مور James Moore، والذي بدأ حملة تدعى Let’s Talk Withdrawal من أجل مساعدة الأشخاص الذين تشبه حالتهم حالته على الانسحاب من مضادات الاكتئاب. ويقول مور إن العديد من الأشخاص الذين يتواصلون مع موقعه عانوا مما يبدو وكأنه أعراض انسحابية كلاسيكية، ومع ذلك قيل لهم أن هذا لا بد وأن يكون عودة إلى المرض مجددا.

وبعد نشر التحليل الشمولي الذي نشرته دورية ذ لانسيت، كتبت ويندي بيرن، وهي رئيسة الكلية الملكية للأطباء النفسيين Royal College of Psychiatrists في المملكة المتحدة، رسالة إلى مجلة ذ تايمز The Times مدافعة عن مضادات الاكتئاب. وكتبت أنه بالنسبة إلى الأغلبية لا تستمر الأعراض الانسحابية لأكثر من أسبوعين.

ما هو الاكتئاب السريري؟ What is clinical depression?

التقلبات المزاجية جزء من الحياة العادية، ومن ثم متى يصبح الحزن مرضًا؟ يُعَرِّف الأطباء الاكتئاب على أنه شعور مستمر بالحزن، مع الشعور بالشك وكره النفس ، يستمر لأكثر من أسبوعين. وبحسب ما يقوله نيك ستافورد من Midlands Partnership NHS Foundation Trust في المملكة المتحدة: «يفقد الناس الطاقة معظم الوقت ولا يستطيعون الاستمتاع بالأشياء التي اعتادوا الاستمتاع بها.»

يقول ستافورد إنه غالبًا ما تمتزج هذه الأعراض النفسية بأعراض جسدية كالاختلاف في الشهية للأكل أو مشكلات النوم. ومن الشائع عند بعض المصابين بالاكتئاب أن يستيقظوا في ساعات النهار الباكرة بأفكار تعيسة تدور في عقولهم.

وكان هذا سببًا لإشعال الخلاف عند النقاد. ويقول سامي تميمي Sami Timimi، وهو طبيب أعصاب في لنكولن بالمملكة المتحدة: «عن طريق التصريح بأن الانسحاب ليس مشكلة، قد يكونون مسؤولين عن تشجيع المزيد من الناس أن يعرضوا أنفسهم لضرر من دون داع.» كتب تميمي مع 29 آخرين إلى لجنة شكاوى الكلية قائلًا إن الرسالة عارضت مسحًا على أكثر من 800 شخص قامت به الكلية نفسها. وكانت نتيجة ذلك المسح أن الأعراض الانسحابية تستمر لستة أسابيع بشكل عام، وأن ربع الأشخاص يعانون قلقا يستمر لأكثر من ثلاثة أشهر. وكانت استجابة الكلية أن نتيجة المسح قد تكون مضللة؛ ذلك أن المشاركين كانوا يختارون المشاركة اختيارًا، وقد يكون الناس أكثر احتمالًا لأن يشاركوا إن كانت لديهم تجربة سيئة مسبقًا. وقد سحبت الكلية النتائج من موقعها.

والحقيقة أننا لا نعرف مدى شيوع الأعراض الانسحابية طويلة الأمد. والتجارب التي يقوم بها مصنعو الأدوية من أجل طرح أدويتهم في السوق تصمم من أجل استقصاء الفعالية والآثار الجانبية التي قد تنتج خلال فترة العلاج، وليس ما يحدث بعدها.

لا يعاني الجميع الأعراض الانسحابية، ولم تعان باربر منها على سبيل المثال. فهناك شخص آخر يأخذ هذه الأدوية اسمه توم، والذي قادته مشكلات العمل إلى الاكتئاب والتوتر، وكان يعاني من الكوابيس والدوخة لمدة شهر بعد تركه الأدوية، ولكنه مع ذلك يشعر بأن الأمر كان يستحق هذا العناء بشكل عام. وأما مور فهو على الجانب المعاكس تمامًا؛ فقد كان يحاول أن يترك الأدوية لما يزيد على السنة، ويتمنى أنه لم يتناول حبة دواء قط.

تعتبر الأعراض الانسحابية السببَ وراء الادعاء بأن مضادات الاكتئاب تسبب الإدمان. وهذا أمر يصعب تقييمه؛ فنحن لا نعرف مدى شيوع الأعراض الانسحابية طويلة الأمد، ولا يوجد هناك تعريف مقبول عالميًا للإدمان. وتشيبرياني هو أحد الذين يعتقدون أن مضادات الاكتئاب لا يمكنها أن تكون مسببة للإدمان؛ لأن الذين يأخذونها لا يطلبون جرعة متزايدة مع مرور الوقت من أجل الحصول على التأثير نفسه. ولكن الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس DSM-5، وهو المرجع الأول في الطب النفسي في الولايات المتحدة، يعرّف الشخص على أنه مدمن على مادة ما إذا كان يستصعب إيقاف استخدامها ويأخذها لفترة أطول من الفترة المقصودة. وهذا قد ينطبق على بعض الذين يعانون أعراضا انسحابية سيئة.

الفروقات بين الجنسين Gender imbalance

يقول جون ريد John Read، وهو اختصاصي بعلم النفس في جامعة شرق لندن وأحد الموقعين على رسالة المعارضة إن أحد الخيارات هو ترك الأشخاص أنفسِهم أن يعرفوا إن كانوا مدمنين أم لا. نشر ريد مسحًا لما يزيد على 1800 مستخدم لمضادات الاكتئاب حاليًا أو سابقًا من نيوزيلندا. وشعر ربع الأشخاص أن دواءهم كان مسببًا للإدمان.

وهناك دراسة أجرتها هيئة الصحة العامة Public Health في إنجلترا على الأدوية التي تعطى بوصفة، ستعرض نتائجها في بدايات السنة القادمة، ويتوقع أن تسلط الضوء على هذه المشكلة. وستشتمل المراجعة على الأدوية التي يوافق الناس بشكل كبير على أنها مسببة للإدمان، من مثل مسكنات الألم الأفيونية، وكذلك مضادات الاكتئاب (والذي قد يسبب الاستياء عند بعض الأطباء النفسيين). وفي الوقت نفسه، في المملكة المتحدة أيضًا، تتنامى المشكلات حول الدليل المستخدمَ من أجل تقييم فعالية الأدوية والعلاجات الأخرى للاكتئاب (انظر: دليلٌ مَعِيبٌ؟).

«التجارب غير مصممة من معرفة ماذا يحدث عندما تتوقف عن أخذ الدواء.»

وبوجود مثل هذه الزعزعة في المجال العلمية، ستستمر مضادات الاكتئاب بكونها واحدة من أكثر أنواع الأدوية المستخدمة المثيرة للاختلاف. هل يمكن أن يكون كلا الطرفين على حق؟ وكما يرى مور، مع أن هذه الأدوية تساعد بعض الأشخاص حقًا، فإنها تحمل أخطارًا تعني ﻷن الأفضل تركها إن كان ذلك ممكنًا بالنسبة إلى الأشخاص الذين يعانون أعراضاً أقل شدة. ومن المؤكد أن العديد من الأطباء النفسيين يقبلون بفكرة أن هذه الأدوية لا تزال توصف بحرية مبالغ بها للأشخاص المصابين بأعراض أقل حدة، والذين يجب أن يوصوا في البداية بالعلاجات الكلامية وبتغيير نمط الحياة.

ومع ذلك، وفي الوقت نفسه، يمتنع بعض الناس المصابين بأعراض شديدة، والذين قد يستفيدون فعلًا من مضادات الاكتئاب، عن أخذها بسبب الوصمة التي تلحقهم. ويقول نيك ستافورد، وهو طبيب نفسي في مؤسسة وقفية شراكة ميدلانذز مع الخدمات الطبية الوطنية Midlands Partnership NHS Foundation Trust في المملكة المتحدة: «يظن البعض أن أخذ الدواء من أجل مشكلة تتعلق بالصحة النفسية علامة على الضعف أوخلل في الشخصية.» كما يقول: «إذا نشرت فكرة أن مضادات الاكتئاب تعمل كالعلاج الغفل، ستكون الرسالة المفهومة أن الاكتئاب أمر غير حقيقي، وأن الأمر كله في العقل. ولكنه مرض بالفعل.»

يقول مور: «لا أسعى إلى حظر الأدوية، بل إن لها دورًا فعليًا.» ويقول إن أطباء العائلة والأطباء النفسيين عليهم أن يناقشوا احتمال الأذية الناتجة من الأدوية أكثر. ويكمل: «أريد أن يسمع المرضى عن كل الحقائق عندما يحدث النقاش الأولي عمّا إذا كان مضاد الاكتئاب مناسبًا لهم. وهذا لا يحدث في وقتنا هذا.»

دليل مَعِيب؟

بقلم: مويا سارنر Moya Sarner

ليس من المعتاد أن يتفق كل من الأطباء النفسيين والمعالجين النفسيين والأطباء والباحثين والمرضى. ولكن في يونيو أصدر ائتلاف من الهيئات المختصة ومؤسسات الصحة العقلية الخيرية بيانًا مشتركًا داعين فيه المعهد الوطني للصحة والرعاية المتميزة National Institute for Health and Care Excellence (اختصارًا : المعهد NICE) في المملكة المتحدة إلى أن يعيد كتابة مسودته في الإرشادات حول علاج الاكتئاب.

نُشرت التوصية الحالية في عام 2009، ولم تكن المسودة الأخيرة لتغير الوضع الراهن حول العلاجات الموصى بها؛ فهي تشتمل بشكل أساسي على الأدوية والعلاج السلوكي المعرفي، واللذين قد يكونات عبر الإنترنت أو الهاتف. ولكن أعضاء الائتلاف يعارضون ذلك قائلين إن الإرشادات معيبة.

دليل منتقص Discounted Evidence

أولًا، بدلًا من أن يقسم معهد NICE الاكتئاب إلى خفيف ومتوسط وشديد، فقد اقترحت أقسامًا أخرى تشمل اكتئابا أكثر شدة واكتئابا أقل شدة. ولا يتوافق هذا مع ما يعايشه المرضى ولا ما يراه الأطباء، وذلك بحسب فيليسيتاس روست Felicitas Rost، رئيسة جميعة أبحاث العلاج النفسي Society for Psychotherapy Research في المملكة المتحدة ورئيسة الائتلاف. وتقول: «لم يأت أحد بهذه التقسيمات من قبل. فهذا النظام غير موثوق به، ولم يوثق المجتمعُ العلمي صحته، وسيكون مخالفًا جدًا للإرشادات الأمريكية والأوروبية.»

ولكن الانتقاد الأكبر للائتلاف يتمثل بطريقة المعهد NICE في الحصول على الدليل. فهو لا يأخذ بالاعتبار سوى التجارب العشوائية المضبوطة بمجموعة مقارنة (تحكم) Contro; group، والتي تعتبر «المعيار الأمثل» في الأدلة الطبية، فيقسم المشاركون إلى مجموعتين، تعطى إحداهما المكون الفعال والأخرى العلاج الغفل، وبالتالي يعزى أي اختلاف بين المجموعتين إلى المكون الفعال.

تصلح هذه الطريقة لمضادات الاكتئاب، حتى وإن كان هناك اختلاف حول الدرجة التي يظهر الدواء عندها فائدة ملحوظة. ولكن الأمر لا يصلح للعلاج النفسي. وتقول روست: «إن كان عند أحد المعالجين النفسيين خمسة مرضى، تكون العلاقة مع كل منهم مختلفة، أما بالنسبة إلى مضادات الاكتئاب فإن الأمر سيَّان.» وتقول إن علينا استخدام أنواع أخرى من الأدلة عندما نقيم العلاجات النفسية. وهذه الأدلة تتضمن نسبة الشفاء من الاكتئاب لأولئك الذين يأخذون علاجًا لتوهم من قبل، وهي من ضمن المعلومات التي تجمعها فرق الصحة العقلية عبر الدولة، وتتضمن كذلك دراسات تسأل الأشخاص عن أي العلاجات وجدوها مفيدة وأيها غير مفيدة. ويجدر بالذكر أن سوزان ماك فيرسون Susan McPearson من جامعة إسكس University of Essex، وهي من الذين ساهموا بكتابة بيان الائتلاف، وجدت أن المعهد NICE استثنى 93 دراسة احتوت على ما يزيد على 2500 مريض.

وهناك انتقاد آخر، وهو أنه وبخلاف الدلائل المتبعة لعلاج الأمراض الجسدية، لا توجد أبحاث في الأثر طويل الأمد لعلاجات الاكتئاب في المقترح الأخير. فهيئات خدمة الصحة الوطنية بالمملكة المتحدة تطالب، قانونًا، بأن تعطى الصحة العقلية والجسدية الأولوية نفسها. ومع أن الدلائل الإرشادية لعلاج الصرع على سبيل المثال تشتمل على بيانات جمعت حتى عشر سنوات بعد العلاج، أما بالنسبة إلى لاكتئاب، فإن زمن البيانات لا يتعدى السنة بعد العلاج. تقول روست: «بالنسبة إلى، فهذه هي النقطة الأهم. الاكتئاب مرض مزمن، ومن ثم علينا أن نبين في دراساتنا ما إذا كان أثر العلاج يستمر لفترات طويلة.» ويكمن مصدر القلق في أنه باستثناء هذا النوع من الأدلة، تحرف الدلائل الإرشادية بدفة العلاجات نحو الأدوية والأنواع قصيرة الأمد من العلاجات النفسية.

وعند طلب الرد من المعهد NICE، رفضوا أن يعلقوا على التفاصيل، قائلين إن «اللجنة في مرحلة تحديث الدلائل الإرشادية.» أخذت الهيئة خطوة غير معتادة في القيام باستشارة ثانية في يونيو 2018. وستنشر النسخة النهائية من النصيحة قريبًا.

Show More

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Close