أجهزة ذكيةتكنولوجياعلوم الكمبيوتر

الحوسبة الخارقة

تصميم حاسوب الولايات المتحدة إكساسكيل يتشكّل، المنافسة مع الصين تُعجّل خطط القفزة الكبيرة المقبلة في قوة الحوسبة الفائقة

في عام 1957، وثب الاتحاد السوفييتي Soviet Union إلى الصدارة في سباق الفضاء بعد إطلاق القمر الاصطناعي سبوتنيك Sputnik وحمّس الولايات المتحدة. ويواجه باحثو الحاسوب الخارق Supercomputer الأمريكيون اليوم لحظة سبوتنيك الخاصة بهم – وهذه المرة مع الصين. فبعد أن هيمنت الولايات المتحدة على تصنيفات الحوسبة الفائقة لعقود من الزمن، أصبحت الآن في المؤخرة لدرجة أنّ القوة المشتركة لأفضل آلتين في الصين تتفوق بسهولة على جميع الحواسيب الفائقة الواحد والعشرين التي تديرها إدارة الطاقة الأمريكية U.S. Department of Energy (اختصارا: الإدارة DOE)، وهي أكبر ممول للحوسبة الفائقة في البلاد.

 أما الآن، فإن الباحثين في مجال الحوسبة الفائقة في الولايات المتحدة يَرُدّون اللطمة. فقد اقترب المهندسون في مختبر أوك ريدج الوطني Oak Ridge National Laboratory في ولاية تينيسي Tennessee التابع لإدارة الطاقة على الانتهاء من تصميم الحاسوب سَمِت Summit، وهو جهاز حوسبة بضعف قوة أفضل آلة صينية، ويُدعى صنواي تايهولايت Sunway TaihuLight في ووشى Wuxi.  وعندما يُشغّل بالكامل هذا الصيف، سيُصدر سَمِت 200 مليون بليون عملية عائمة في الثانية (بيتافلوبس Petaflops). والأمر الأكثر واعدا من ذلك هو أنّ العلماء يجتمعون في نوكسفيل Knoxville بولاية تينيسي هذا الأسبوع لإلقاء أوّل نظرة مُفصّلة على التصاميم الخاصة بالعملاق الأمريكي القادم، وهو أول حاسوب خارق بسعة 1000 بيتافلوب – 1 إكسافلوب أو إكساسكيل، والذي سيكتمل بناؤه بحلول عام 2021 في مختبر أرغون الوطني Argonne National Laboratory في ليمونت Lemont بولاية إلينوي Illinois. أي قبل الموعد المقرر بسنتين. ويقول أيشيرو ناكانو Aiichiro Nakano، الفيزيائي Physicist من جامعة جنوب كاليفورنيا University of Southern California في لوس أنجلوس Los Angeles، الذي يستخدم الحواسيب الفائقة لنمذجة المواد المصنوعة من طبقات من شرائح ذرية مثل الغرافين Graphene: “إنه وقت مثير للغاية.”

 وسيُبنى حاسوب مختبر أرغون المُسمى A21 من قبل شركة إنتل Intel وكراي Cray ومن المتوقع أن يُعجّل محاكاة كل شيء من تكوين المجرات إلى التدفقات المضطربة للغاز في عملية الاحتراق Combustion. ويقول تشونغ – سيوك تشانغ Choong-Seock Chang، الفيزيائي من مختبر برينستون لفيزياء البلازما Princeton Plasma Physics Laboratory في نيو جيرسي New Jersey الذي يخطط لاستخدام A21 لنمذجة البلازما داخل مفاعل الاندماج Fusion Reactor: “يمكننا أن ندرج الكثير من الفيزياء في إكساسكيل.”

“يمكننا أن ندرج الكثير من الفيزياء في إكساسكيل”

تشونغ – سيوك تشانغ Choong-Seock Chang، مختبر برينستون لفيزياء البلازما Princeton Plasma Physics Laboratory

 ولا يزال من المرجح أن تصل الصين وربما اليابان إلى الأرض الموعودة للإكساسكيل أولا. ولكن إذا انتهى البناء في الموعد المُحدد، قد يُثبّت الحاسوب A21 قدم الولايات المتحدة من الانزلاق إلى الوراء أبعد من ذلك. وتعكس الوتيرة السريعة التغيير في استراتيجية مسؤولي إدارة الطاقة في الخريف الماضي. ففي البداية، وضعت الوكالة مقاربة “الممرين” Two Lanes  للتغلب على تحديات الجهاز إكساسكيل، ولا سيما الشره المحتمل للكهرباء التي يمكن أن يتطلب كامل إنتاج محطة نووية صغيرة.

 وكانت الوكالة تُموّل جهازين، كليهما عتبة تُؤدي إلى إكساسكيل، للنظر في مقاربات مختلفة لخفض الطلب على الطاقة. وقد ّركزت شركة آي بي إم IBM وشريكتها نفيديا NVIDIA، صانعي سَمِت، على اتحاد وحدات المعالجة المركزية Central Processing Units (اختصارا: المعالجات CPU) بوحدات المعالجة الرسومات Graphical Processing Units، وهي أسرع وأكثر كفاءة للحسابات التي تنطوي على عمليات محاكاة بصرية معقدة. وفي الوقت نفسه، تهدف إنتل وكراي منذ فترة طويلة إلى زيادة عدد “نوى” Cores وحدة المعالجة المركزية التي تعمل بالتوازي وتخلق روابط سريعة بينهما. وكان القصد من هذه الاستراتيجية أن تؤدي إلى بناء شقيقة لسَمِت ذات 180 بيتافلوب، وتُدعى أورورا Aurora، التي ستُبنى في أرغون.

 وتوقعت إدارة الطاقة في عام 2015 أن ينتهى بناء أورورا هذا العام، على أن يكون أول ظهور لآلة إكساسكيل للولايات المتحدة في عام 2023. وبعدها أعلنت الصين خطة خمسية حددت فيها هدفها لبناء آلة إكساسكيل في نهاية عام 2020. ولم تعد الولايات المتحدة مُتأخرة فقط، بل كانت على وشك أن تُسبق بشوط كامل.

 ويقول تشانغ: “كان هناك الكثير من التوتر في إدارة الطاقة الامريكية والوكالة الوطنية للأمن النووي والصناعة National Nuclear Security Agency.” إذ قامت إدارة الطاقة بتغيير الاستراتيجية. وألغت خططا لأورورا، واستبدلتها بالحاسوب A21، وهو جهاز أكبر بخمس مرات. وقد قدّمت بذلك تاريخ الإطلاق إلى عام 2021، ولكن لأنه سيكون أول جهاز إكساسكيل في الولايات المتحدة الأمريكية، فإنها دفعت أيضا بالجدول الزمني للولايات المتحدة بشكل فعال لسنتين.

 ويقول كينيث جانسن Kenneth Jansen، مهندس الفضاء Aerospace Engineer من جامعة كولورادو University of Colorado في بولدر Boulder، إنّ تجاوز أورورا، وهي الخطوة الوسطى، أمر محفوف بالمخاطر. ويضيف: “هذا يعني أنّ أحد المُرتكزات لن يكون موجودا.” ومع ذلك، يقول آخرون إنّ هذا يستحق المُخاطرة. ويقول توم دانينغ Thom Dunning، وهو عالم كيميائي حاسوبي Computational Chemist من جامعة واشنطن University of Washington في سياتل Seattle: “هذه هي الطريقة الصحيحة للقيام بذلك.”

 وتبقى تفاصيل بنية الحاسوب A21 تحت الحراسة المشددة لحماية الملكية التكنولوجيا. ولكن العلماء الذين يكتبون البرمجيات للجهاز الجديد سيُقدّم لهم إحاطات مُفصلة حول الهيكل الجديد بعد توقيعهم اتفاقيات عدم الإفصاح Nondisclosure. وتُقدّم بعض الإحاطات الأولية هذا الأسبوع في نوكسفيل في الاجتماع السنوي الثاني لمشروع الحوسبة الأكساسكيلية Exascale Computing Project.

 ويقول الباحثون الذين لديهم دراية جيدة بالخطط إنّ الجهاز يختلف عن أي شيء سبق أن شاهدوه من قبل. ويقول تشانغ: “بنية الحاسوب A21 مختلفة جدا.” وبصفة عامة، يقول إنّ التصميم يُركّز على تقليل الحاجة إلى نقل البيانات لمسافات طويلة بين المُعالِجات، وهي عملية مكلفة للغاية طاقيا. ويقول من المرجح أنّ يتطلب الجهاز الجديد 25 إلى 30 ميغاواط من الطاقة، أي نحو ضعفي مما يحتاج إليه سَمِت. وردا على سؤال حول ما إذا كان يعتقد أنّ شركة إنتل ستكون قادرة على إنجاز الهيكل الجديد، قال تشانغ: “إنني على ثقة بأنهم قادرون على ذلك.”

وقد يكون التمويل هو أحد التحديات الخارجية. فلم  يوافق الكونغرس بعد على ميزانية العام المالي 2018، وبدلا من ذلك قام بتمويل الحكومة من خلال سلسلة من القرارات المستمرة التي تُبقي على مستويات التمويل كما كانت في العام السابق مع منع إطلاق مشاريع جديدة، مثل بناء الحاسوب A21. وهذه ليست مشكلة في الوقت الراهن، لأنّ إدارة الطاقة لا تزال قادرة على دعم التطورات العلمية الكامنة كجزء من مشروع حوسبة إكساسكيل القائم كما يقول جاك دونغارا Jack Dongarra، خبير الحوسبة الفائقة في جامعة تينيسي University of Tennessee في نوكسفيل. ولكن قريبا سيحين الوقت لبدء تصنيع الرقائق للجهاز A21، والمتوقع أن تُكلّف ما بين 300 مليون و600 مليون دولار، وفقا لشركة أبحاث السوق هيبيريون للأبحاث Hyperion Research. ويقول هورست سيمون Horst Simon، خبير الحوسبة الفائقة ونائب مدير مختبر لورانس بيركلي الوطني Lawrence Berkeley National Laboratory في بيركلي بولاية كاليفورنيا: “هل ستكون الميزانية في عام 2021 متوفرة للقيام بذلك؟” وأضاف: “لا أعلم.”

خطة الصين لحاسوب الإكساسكيل يُهدد موقع سَمت في المُقدمة

عندما يُشغل المهندسون سَمِت Summit هذا الصيف، وهو الحاسوب الفائق الذي يُبنى في مختبر أوك ريدج الوطني في Oak Ridge National Laboratory في ولاية تينيسي Tennessee، من المتوقع أن يكون الحاسوب الأقوى في العالم. ومن شأن ذلك أن يُعيد الولايات المتحدة إلى أعلى تصنيفات الحوسبة الفائقة للمرة الأولى منذ يونيو 2013، عندما فقدت الصدارة لصالح تيانه 2 (Tianhe-2)، وهي آلة مقرها المركز الوطني للحاسوبات الفائقة National Supercomputer Center في غوانزو Guangzhou.

 ويقول ديبي تشيان Depei Qian، عالم الحاسوب Computer Scientist من جامعة بيهانغ Beihang University في بكين Beijing: “بالطبع كنا نأمل بأن تكون لدينا [الآلة الأفضل] قبل الآخرين فترة طويلة.” وأضاف: “لكن الوكالات الحكومية تعلم أنه لا يمكن لأي بلد أن يكون الرقم 1 إلى الأبد .”

 وفي اللعبة العالمية من قفزة الحوسبة الفائقة، من المرجح أن تستعيد الصين اللقب من الولايات المتحدة عندما تبني أول جهاز حاسوب إكساسكالي Exascale: آلة قادرة على القيام ببليون عملية فاصلة عائمة في الثانية الواحدة، أو 1 إكسافلوب Exaflop. وفي إطار الخطة الخمسية الثالثة عشرة للبلاد، والتي صدرت في عام 2015، تلتزم الصين بإطلاق أول جهاز حاسوبي فائق بحلول نهاية عام 2020.

وسيمكّنها ذلك من أن تسبق الحاسوب A21 بعام كامل، أول الحواسيب العملاقة للولايات المتحدة، والمخطط لإطلاقها في 2021. وتهدف اليابان أيضا إلى بناء حاسوب إكساسكيلي خلفا للحاسوب كاي K Computer العملاق في معهد ريكن المتقدم للعلوم الحاسوبية RIKEN Advanced Institute for Computational Science في كوبي Kobe، على الرغم من أنّ رئيس المشروع قد قال إنّ تسليمه قد يتأخر إلى عام 2021 أو 2022. وأخيرا، يمكن للاتحاد الأوروبي عبور عتبة إكساسكيل في عام 2021، وفقا لشركة أبحاث السوق هيبيريون للأبحاث Hyperion Research.

 ولكن لن يكون هذا نهاية السباق. ولإنّ قوى الحوسبة الفائقة الأربع مقتنعة بأنها بحاجة إلى دفع حدود العلم من أجل المنافسة في مجموعة واسعة من التخصصات العلمية، والتكنولوجيا الدفاعية، والتكنولوجيا الصناعية، ومنتجات الحاسوب. ويقول جاك دونغارا Jack Dongarra، الخبير في الحوسبة الفائقة من جامعة تينيسي University of Tennessee في نوكسفيل Knoxville، الذي يراقب دوما الجهود الدولية للحوسبة الفائقة: “الجميع يتحركون بأسرع ما يمكنهم.” وبمجرد عبور عتبة واحدة، يقول: ” تكون بعدها على التالية.”

الصورة في الاعلى : الحاسوب سَمِت Summit بِقُدرة 200 بيتافلوب 200-Petaflop مكتمل تقريبا. وسيكون مقدمة للحاسوب A21، أول حاسوب إكسافلوب للولايات المتحدة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق