العلوم الطبيعيةعلم الأعصاب

مراقبة نمو أدمغة المراهقين

لأكثر من عقد، سعى الباحثون إلى متابعة 10 آلاف طفل عبر تحديات مرحلة المراهقة

شيا Chya*  (وتُلفظ شي- يا)، لم تكمل عامها العاشر، قد أمضت يوما غير عادي في كلية الطب بجامعة ميريلاند University of Maryland School of Medicine في بالتيمور Baltimore. فقد قضت جزءا من الوقت داخل جهاز “رائع” لمسح للدماغ أثناء لعبها بألعاب فيديو مصممة لفحص ذاكرتها ومهارات دماغية أخرى.  وفي أوقات أخرى، أجابت عن العديد من الأسئلة المتعلقة بحياتها وصحتها على الآيباد iPad.

  فهي مراهقة نحيلة من بالتيمور  في الصف الثالث تحب الرسم، والهيب هوب Hip Hop، واللعب مع حيوانها الأليف تشيهواهوا  Chihuahua، وشيا هي واحدة من أكثر من 6800 طفل مشارك في اختبار تطور دماغ المراهقين غير المسبوق. وستُكمِل دراسة التنمية المعرفية لدماغ المراهقين   The Adolescent Brain Cognitive Development Study – (اختصارا: الدراسة ABCD) – فترةَ التسجيل التي استمرت لسنتين في سبتمبر، وستدرج هذا الشهر كنزاً من البيانات التي جُمعت من أّوّل 4500 مشارك – مع إخفاء هوية المشاركين- في قاعدة بيانات متاحة للجميع. ففي النهاية، تهدف الدراسة إلى متابعة  عشرة آلاف طفل لعقد من الزمن أثناء نموهم ابتداء من  تسع و عشر سنوات إلى مرحلة الشباب.

   وبدعم من الجزء الأول من 300 مليون دولار الذي تعهدت به عدة معاهد في المعاهد الوطنية للصحة National Institutes of Health (اختصارا: المعاهد NIH) في بيثيسدا Bethesda بماريلاند، تستخدم الفرقُ في 21 موقعا حول الولايات المتحدة أجهزةَ الرنين المغناطيسي MRI ، لتسجيل تركيب هذه الأدمغة الشابة ونشاطها. كما أنهم يجمعون كميات من البيانات النفسية والمعرفية والبيئة المحيطة المتعلقة بكل طفل، والعينات البيولوجية مثل الحمض النووي DNA. وإضافة إلى توفير المعايير القياسية الأولى لنمو دماغ المراهق بشكل صحي، فمن المتوقع أن تسمح هذه المعلومات للعلماء بالتحقيق في كيفية تأثير تعاطي المواد والإصابات الرياضية ووقت الشاشة وعادات النوم والتأثيرات في الدماغ في طور النمو، أو تتأثر به.

  وتقول عالمة الأعصاب السريري Clinical Neuro- Scientist مونيكا لوتشيانا Monica Luciana، من جامعة مينيسوتا University of Minnesota في مينيابولس Minneapolis أحد مواقع دراسة ABCD  حيث تشغل مونيكا منصب الباحث الرئيس: “إن العديد من الدراسات في هذا المجال موبوءة بحقيقة أننا نمسك بالمراهقين بعد أن يبدؤا بإساءة التصرف بطرق مختلفة. لذلك، حقيقة أننا نتابع الأطفال من … قبل أن ينخرطوا في العديد من التصرفات الخطرة – ستكون مجموعة من البيانات الغنية بشكل مذهل.”

  وتوضيح تأثير الكحول وتعاطي المخدرات هو هدف رئيس لممولين الرئيسيين للدراسة: المعهد الوطني لتعاطي المخدرات National Institute on Drug Abuse (اختصارا: المعهد NIDA) والمعهد الوطني لتعاطي الكحول وإدمان الكحول National Institute on Alchohole Abuse and Alcoholism  (اختصارا: المعهد NIAAA)، وكلاهما في باثيسدا. وتقول مديرة المعهد NIDA نورا فولكو Nora Volkow، والمحرك الرئيسي للدراسة: “هناك ضرورة ملحة لمعالجة هذه الأسئلة،” وجادلت كذلك في أنّ التشريع القانوني مؤخرا لاستخدام الماريجوانا لأغراض ترويحية RecreationalMarijuana في عدة ولايات، يجعل هذه الدراسة تأتي في الوقت المناسب.

  واستخدمت دراسات أخرى التصوير بالرنين المغناطيسي لمتابعة تطور دماغ المراهق. وقد سجلت الدراسة الأوروبية إيماجين IMAGINE ألفين من المراهقين بعمر 14 سنة، ومسحت أدمغتهم على فترات خلال العقد الماضي. ويمول المعهد NIAAA دراسةَ تأثير الكحول، لتصوير أدمغة أكثر من 800 شاب وشابة مرة في  السنة لمدة 4 سنوات. ولكن الدراسة ABCD “ستكون الأكبر إلى حد بعيد،” كما تقول فولكو.وتتابع قائلة: “كما أنّ مدتها أطول ]أيضا[، وتبدأ عند سن أصغر، وهي مكثفة بشكل أكبر،” من حيث الفحوصات.

  وكلَّ سنتين سيصور الباحثون تراكيب دماغ شيا والمشاركين الآخرين، وسيسجلون النشاط العصبي أثناء تأديتهم مهام تتعلق بالذاكرة والمكافئات والتعرف على الوجوه.  وفي كل سنة ستُأخذ أطوال المشاركين وأوزانهم ومقاس خصرهم، وسيجيبون عن أسئلة مصممة لتقييم الأعراض النفسية. وسيُسألون سنويا عن تأثير البيئة المحيطة – مثل الصراعات العائلية وجرائم الحي.

   وتهدف الدراسة إلى وصف المسار الطبيعي لتطور دماغ مرحلة المراهقة – مشابه لجداول الطول والوزن الموجودة في مكاتب أطباء الأطفال- واستخدامه للبدء بالأجابة على أسئلة السبب والمسبب العديدة التي تعجز عنها الدراسات الترابطية. فعلى سبيل المثال، إن الذين يدخنون الماريجوانا بكثرة في بداية مرحلة المراهقة أو الشباب يُظهرون بشكل ملحوظ اتصالا أقل -مما يظهر عند من لا يدخنها- بين المحاور العصبية Neuronal Axons  للحصين Hippocampus ، وهي منطقة مهمة في الدماغ لتشكيل ذاكرة المدى الطويل والتعلم. ولكن، هل أدمغة المتعاطين ذات تشكيل مختلف منذ البداية، مما أدى بهم إلى تدخين القنب بكثرة؟ أم هل سبَّب التدخين هذه التغيرات؟

  ويقول هيو غارافان Hugh Garavan، عالم الأعصاب Neurobiologist  والباحث الرئيس في موقع الدراسة ABCD من جامعة فيرمونت University of Vermont (اختصارا: الجامعة UVM) في برلنغتون: “في سن التاسعة والعاشرة يمكن الحصول على تقييم أساسي نظيف وجيد لهؤلاء الأطفال.” وأضاف: “وبعدها عندما يتطور الذهان Psychosis  في عمر السادسة عشرة، يمكننا العودة والنظر في أدمغتهم والتقاييم النفسية بعمر 9 و10 و11 و12. والبحث عما إذا كانت هناك علامات على الخطر؟”

  ونأمل بأن تسمح لنا مثل هذه العلاماتفي نهاية المطاف بتشخيص مبكر، وعلاج أو تدخل لمنع تعاطي المواد أو المرض الذهني والحالات الأخرى. والقوة الرئيسية لهذه الدراسة هي أنها ستسجل عددا كافيا من الأطفال – إضافة إلى 800 زوج من التوائم- للإجابة عن الأسئلة التي تتطلب عدد كبيرا من المشاركين في البحث، مثل ما إذا كانت هناك نوافذ عمرية عندما يكون الدماغ معرضا بشكل خاص لاستخدام عقار معين.

  وتهدف الدراسة إلى أن يعكس المشاركون في البحث التنوع الاجتماعي والاقتصادي والجغرافي والعرقي والإثني في الولايات المتحدة الأمريكية. ويرغب المخططون في دراسة مجموعة تحتوى على 6 % من العرق الآسيوي ، و16 ٪ من العرق الإفريقي، و24%من أصل أسباني. واعتبارا من مطلع يناير، وبثمانية أشهر متبقية من فترة التسجيل، فإنه ينقصهم 2% من العرق الآسيوي الأمريكي و12% من الإفريقي، ولكنهم قريبون من تحقيق هدف الأصل الإسباني فهم الآن عند نسبة 22 %. وتشكل الفئة “الأخرى”، التي تضم أطفالا مختلطي الأْعراق والأمريكيين الأصليين، نسبة 11% من مجموع المسجلين، أي أكثر من ضعف هدف المنظمين البالغ 5 %.

وتبلورت الدراسة ABCD في وقت مشؤوم. ففي مايو 2014، عندما عقد المخططون اجتماعهم الأول، كانت الدراسة الوطنية للأطفال National Children’s Study، وهي محاولة المعاهد الوطنية للصحة NIH لمتابعة 100 ألف طفل من الرحم حتى سن 21 عاما، تنهار نتيجة لوجستيات هائلة، وأهداف مفرطة الطموح، وتكلفة متوقعة تزيد على 3 بلايين دولار (Science, 19 December 2014, p. 1441 ). ويستذكر جورج كوب George Koob مدير المعهد الوطني لتعاطي  الكحول وإدمان الكحول (اختصارا: المعهد NIAAA) منذ عام 2014: “كنا مدركين جدا، بسبب دراسة الأطفال، أننا لا نريد تحميل شجرة عيد الميلاد بالكثير الزينة.”

  وبحلول سبتمبر 2016، وفي إطار بروتوكول مصمم بإحكام، ويمليه مدى الانتباه وكثرة حركة الأطفال بعمر 9 و 10 عاما، بدأت الدراسة ABCD بتسجيل المشاركين. ويفترض المنظمون أنّ 15% من العدد المقرر  للمشاركين الذي يبلغ 11500 سينسحبون على مدى العقد القادم من الزمن، مما يترك لهم العدد المطلوب وهو 10 آلاف مشارك. والبعض يخاف أنّ ذلك العدد قد يكون شديد التفاؤل، ولكن غارافان متفائل ويقول: “لأنها دراسة طولية Longitudinal study، علينا أنّ نحرص على أن يستمتع الأطفال بالتجربة.”

ونجح غارافان مع واحد على الأقل من المشاركين. “كان عليك أن  تترك لعابك يسيل في القارورتين، وليس أن تبصقه بصقا. وكان ذلك أمرا ممتعا،” كما يذكر أفتون Afton الذي صُوّر دماغه في شهر سبتمبر الماضي في الجامعة UVM، قبل يوم واحد من عيد ميلاده العاشر. ويتابع قائلا: “في نهاية المطاف سيتعلمون كيفية تتبع الفرد لمعرفة ما إذا كان ما لديه اكتئاب أو شيء آخر، أو لا، بمجرد النظر إلى أدمغتهم في آلة التصوير بالرنين المغناطيسي. اعتقدت أنّ ذلك رائعا. وأردت المساعدة.”

    من جانبها غادرت شيا موقع الدراسة في بالتيمور الشهر الماضي مع صورة لدماغها وقميص عليه شعار الدراسة ABCD. وقالت إنها تعتزم العودة في الوقت نفسه من العام المقبل.

الصورة فى الاعلى:
بالجمع بين 628 نتيجة من أدمغة الأطفال، يظهر هذا التصوير بالرنين المغناطيسي المناطق التي تتنشط أثناء النظر إلى الوجوه (الأصفر والبرتقالي)، أما المناطق الأُخرى (الأزرق والسماوي) فتُفعّل خلال مهمةٍ تتطلب استخدام الذاكرة.

* الدراسة ABCD تُخفي هوية المشاركين. وقد سمحت أسر الأطفال المشاركين في هذه المقالة باستخدام أسمائهم الأولى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق