التاريخفنون وعلوم إنسانية

الثروة الحيوانية أدّت إلى عدم المساواة في العالم القديم

مجتمعات العالم الجديد التي لم تكن تمتلك حيوانات الجرّ شهدت اختلافات صغيرة بين من يملكون ومن لا يملكون

اليوم، يمتلك 2% من سكان العالم أكثر من نصف ثروته. وتزايد عدد الأثرياء جعل الاقتصاديين والسياسيين والمواطنين -على حد سواء – يتساءلون ما مدى عدم المساواة الذي يمكن أن تقبله المجتمعات. إلاّ أن للتفاوت الاقتصادي جذورا عميقة. فقد خلصت دراسة نُشرت هذا الأسبوع في مجلة نيتشر Nature إلى أن بؤرة عدم المساواة كانت العالم القديم: فالمجتمعات هناك تميل إلى أن تكون أدنى من حيث  المساواة من تلك الموجودة في العالم الجديد، ويرجع ذلك على الأرجح إلى استخدام حيوانات الجرّ.

ويقول المؤرخ والتر شيديل Walter Scheidel من جامعة ستانفورد Stanford University في بالو ألتو Palo Alto بولاية كاليفورنيا California ، الذي وصف هذه النتائج بـ”المدهشة” :»لم يحاول أحد القيام بذلك من قبل- خُذ هذا المنظور الواسع جدا وحاول أن تعرف ما إذا كانت هناك اختلافات كبيرة بين العالم القديم والعالم الجديد.» وبالمقدار نفسه من الدهشة نجد أن كل مجتمع قديم دُرس كان أكثر مساواة بكثير مما هي عليه الولايات المتحدة اليوم.

(الصورة في الاعلى) ربما عزّزت المواشي وغيرها من الحيوانات عدم المساواة في مجتمعات العالم القديم، بما في ذلك مصر القديمة.

ولا توجد سجلات اقتصادية تفصيلية لمعظم الثقافات ما قبل الحداثة Premodern، لذا فإنّ مؤلفي الدراسة يحتاجون إلى طريقة ليس فقط لقياس الثروة في المواقع الأثرية، ولكن لمقارنتها عبر المجتمعات. ويقول عالم الآثار Archaeologist مايكل سميث Michael Smith، من جامعة ولاية أريزونا Arizona State University في تيمبي Tempe، الذي قاد الدراسة مع تيم كوهلر Tim Kohler، من جامعة ولاية واشنطن Washington State University في بولمان Pullman: »للقيام بتحليل مقارن حقيقي، عليك أن تضع كل شيء في الإطار نفسه.« واستقر الباحثون على حجم المنزل كمؤشر، والذي يقوم العديد من علماء الآثار بقياسه بالفعل.

لقد عمل الفريق مع علماء الآثار في جميع أنحاء العالم لجمع بيانات من 62 موقعا في أمريكا الشمالية North America وأوراسيا Eurasia التي يرجع تاريخها مما قبل 8 آلاف سنة إلى نحو عام 1750 في الحقبة الحالية [ميلادية]. (كما تضمنت مجموعة حديثة من الصيادين – الملتقطين، جماعة كونغ سان Kung San في إفريقيا). ومن توزيع أحجام المنازل، قاموا بحساب معامل جيني Gini Coefficient لكل موقع، وهو مقياس قياسي لعدم المساواة. وتتراوح معاملات جيني من الصفر، الذي يشير إلى أنّ كل فرد لديه بالضبط مقدار الثروة نفسه، إلى واحد، حيث يمثّل ذلك مجتمعا يملك فيه شخص واحد كل الثروة.

ووجد الباحثون أنّ عدم المساواة يميل إلى الزيادة تدريجيا مع انتقال المجتمعات من الصيد والإلتقاط إلى الزراعة، مما يدعم الفرضيات التي طال الاعتقاد بها حول كيفية تكثيف الزراعة الهرمية الاجتماعية Social Hierarchies. وبعد نحو 2500 عام من أول ظهور للنباتات المستأنسة في كل موقع، كان متوسط التفاوت في العالم القديم والعالم الجديد يعادل معاملَ جيني يبلغ نحو 0.35. وظل هذا الرقم ثابتا نوعا ما في أمريكا الشمالية وأمريكا الوسطى. ولكن في الشرق الأوسط والصين وأوروبا ومصر واصل عدم المساواة في الارتفاع مع مرور الوقت، متجاوزا متوسط معامل جيني بنحو 0.6، أي بعد نحو 6 آلاف سنة من بدء الزراعة في مدينة بومبي Pompeii في روما القديمة وكاهون Kahun في مصر القديمة.

وهذه الأرقام هي أقل بكثير من التفاوت في الثروة المُشاهدة اليوم في الولايات المتحدة والصين، بمعامل جيني 0.8 و 0.73 على التوالي، وفقا لدراسات قام بها باحثون صينيون، ودراسة أجرتها الأمم المتحدة عام 2008.

ويقترح المؤلفون أنّ الحيوانات المُستأنسة قد ت تُفسّر الفرق بين العالم الجديد والعالم القديم: في حين أنّ مجتمعات أمريكا الشمالية وأمريكا الوسطى تعتمد على العمل البشري، كانت لدى مجتمعات العالم القديم الثيران والماشية لحراثة الحقول، والخيول لنقل البضائع والناس. وكانت الثروة الحيوانية استثمارا في المشاريع المستقبلية، مما يسمح للناس بزراعة المزيد من الأراضي وتخزين فوائض الأغذية، فضلا عن إنشاء قوافل تجارية، وحشد جيوش للسيطرة على الأراضي الشاسعة. ويقول كوهلر: «فكّر في كيفية ثراء الناس في المجتمعات الحديثة. إنهم يجدون طُرقا ذكية لربط ثرواتهم الحالية بدخلهم المستقبلي.» ونظرا لأنّ الأراضي والماشية يمكن أن تُوَرّث إلى الأجيال القادمة، فقد أصبحت بعض الأُسر أكثر ثراء بمرور الزمن.

ويقول عالم الآثار برايان هايدن Brian Hayden، من جامعة سيمون فريزر Simon Fraser University في بورنابي بكندا، إنّ حساب مُعامِلات جيني للمواقع القديمة يجب أن تكون ممارسة قياسية، ولكنه يشير إلى أنّ لائحة الحيوانات ليست الطريقة الوحيدة لتحويل الموارد الطبيعية إلى ثروة وراثية. وقد نقّب هايدن المنازل التي يصل قطرها إلى 20 مترا ويرجع تاريخها إلى ما بين 2500 و 1100 سنة، في كيتلي كريك Keatley Creek في كولومبيا البريطانية British Columbia في كندا، وحسب مُعامل جيني فوجده يساوي 0.38. ويعتقد أنّ بعض الأُسر قد احتكرت مواقع صيد إنتاج سمك السلمون لأجيال (Science, 23 May2014, p. 822)، مما جعل مجتمع الصيد والجمع هذا أقل مساواة من غيرها في مجموعة البيانات الجديدة.  ويقول هايدن: »إنّ ميراث مواقع الصيد هو تماما مثل ميراث الأرض أو الماشية أو أي شيء آخر.» ويود هايدن أن يحصل على بيانات من أمريكا الجنوبية الأنديزية، حيث سيطرت الإمبراطوريات ابتداء من الموشي Moche إلى الإنكا Inca على الأراضي الضخمة، كما قامت أيضا باستئناس اللاما Llamas والألباكا Alpacas.

ويصف الاقتصادي بيتر ليندرت Peter Lindert، من جامعة كاليفورنيا University of California، في ديفيس Davis، اختيار حجم المنزل كبديل الثروة بالاختيار “الحكيم،” ولكن عالمة الآثار ميليسا فوجيل Melissa Vogel، من جامعة كليمسون Clemson University في ولاية كارولينا الجنوبية، تحذّر من أنّ عوامل مثل نوعية مواد البناء يمكن أن تعقّد التحليل. وتقول: »من الرائع أن نحاول القيام بهذه المقارنات الأكبر.« وأضافت: »لكن هناك بعض القيود الحقيقية.»

ويعتقد ديفيد كاربالوDavid Carballo، عالم الآثار من جامعة بوسطن Boston University الذي يدرس مجتمع توتيهواكان Teotihuacan القائم على المساواة في وسط المكسيك – بمعامل  جيني 0.12- أنّ مثل هذا التبسيط هو الثمن الواجب دفعه مقابل هذا السجل الطويل والمتنوع من عدم المساواة. ويأمل كل من كوهلر وسميث بأن يقوم علماء الآثار الآخرين بحساب معامل جيني لمواقعهم وإضافته إلى البحث. ويقول كوهلر: »نحن ما زلنا في البداية.»

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق