العلوم البيئية

روسيا تزيد احتياطاتها ضد التغير المناخي لكن التقليل من الانبعاثات الكربونية خارج الحسبان

بقلم: آنجلينا دافيدوفا صحفية في سانت بيترسبورغ، روسيا – Angelina Davydova is a journalist in Saint Petersburg, Russia
ترجمة: مي منصور بورسلي

كانت الحصيلة مرتفعة بشكل غير عادي بعد ما اجتاحت موسكو Moscow عاصفة ثلجية في نهاية شهر مايو، إذ تسببت العواصف الشرسة في مقتل 18 شخصا وإصابة عشرات آخرين، كما يقول المسؤولون، كما ألحقت أضرارا قُدّرت بنحو 3.5 بليون دولار في أرجاء العاصمة الروسية. والآن، هناك خسائر أخرى.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، طردت الحكومة الروسية رئيس وكالة التنبؤات الجوية التابعة لها، وهي الخدمة الفيدرالية للأرصاد الجوية المائية والرصد البيئي Federal Service for Hydrometeorology and Environmental Monitoring، أو روشيدروميت Roshydromet. وكان ألكسندر فرولوف Alexander Frolov (65 عاما) قد تجاوز سن التقاعد الإجباري لموظفي الخدمة المدنية، ولكن المراقبين يقولون إنّ السبب الحقيقي الذي أجبره على المغادرة هو فشل روشيدروميت في توقع شدة العاصفة في أواخر مايو وفي تحذير سكان موسكو بناء على ذلك. كما أرسلت إطاحة الرئيس من المنصب رسالة إلى وزارة البيئة، المشرفة على روشيدروميت. وبناء على ما ذُكر في صحيفة كومرسانت Kommersant أنّ مكتب المدعي العام قد طلب إلى الوزارة اتخاذ خطوات لزيادة دقة التنبؤات في ضوء تغير المناخ.

وتعكس التهمة الجديدة لوزارة البيئة تغيرا في وجهات نظر روسيا بشأن تغير المناخ وكيف يجب على الأمة أن تستجيب لذلك. وقد اعترف السياسيون بأنّ الظواهر الجوية الشديدة قد تضاعفت على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية، لتصل إلى 590 ظاهرة في عام 2016، وأنّ متوسط درجات الحرارة آخذ بالارتفاع، وخاصة في القطب الشمالي. وحتى وقت قريب، كان التصدي لظاهرة تغيّر المناخ ذات أولوية منخفضة للحكومة الاتحادية. وأحد الأسباب هو الرضا العام، بسبب الانخفاض الفعلي لانبعاثات غازات الدفيئة في روسيا منذ انهيار الاتحاد السوفييتي. أمّا السبب الآخر فهو سياسي: إذ يعتمد اقتصاد روسيا بشكل كبير على ضخ النفط والغاز من الأرض. ومع ذلك، فقد أنكرت العديد من الأصوات ذات النفوذ بشكل روتيني ظاهرة تغير المناخ، وقد نسبت بعض الصحف الروسية في السنوات الأخيرة سبب تقلّب المناخ إلى سلاح أمريكي خيالي موجه إلى روسيا، أو إلى مؤامرة خارجية تستهدف صادرات روسيا من الطاقة. ولكن دحضت هذه الأفكار. إذ يقول أنطون كولباشيفسكي Anton Kulbachevsky، رئيس لجنة البيئة في مدينة موسكو: «لقد شهدنا بالفعل آثار تغير المناخ هذا الصيف، ونحن بحاجة إلى الاستعداد للمزيد من الأضرار القادمة.» وأضاف أنه من المتوقع أن تصل الأضرار الاقتصادية المرتبطة بالمناخ في منطقة موسكو، التي يعيش فيها 20 مليون نسمة، إلى 4.3 بليون دولار سنويا بحلول عام 2025، وهو رقم يماثل، في المتوسط، الحصيلة القومية في السنوات الأخيرة.

وقد انتشرت حالة عدم الاستقرار على مستوى البلاد هذا الصيف، بعد أن التهمت حرائق الغابات 4.6 مليون هكتار من غابات الصنوبر السيبيري Siberian taiga وأتلفت الفيضاناتُ الشرقَ الأقصى. كما أصاب فيروس النيل الغربي West Nile virus الذي ينقله البعوض العديد من الضحايا في جنوب روسيا، وكذلك انتشر التهاب الدماغ   Encephalitis المنقول بالقراد وداء اللايم Lyme disease في الشمال.

 ويلوم المسؤولون والعلماء تغير المناخ بالتسبب بهذه الأنماط المزعجة. وقالت لاريسا كوريبانوفا Larisa Korepanova، وهي مسؤولة رفيعة المستوى بوزارة الموارد الطبيعية، في منتدى المناخ الذي نظمته مدينة موسكو وعُقد هناك في أغسطس: « إنّ تغير المناخ يشكل تهديدا حقيقيا لروسيا، وإنّ البلاد ومناطقها بحاجة ملحة إلى البدء بالتكيف معها وبناء القدرة على الصمود.»

هذا بالضبط ما يهدف إليه مشروع خطة التكيّف لمنطقة موسكو. إذ كُشف الستار عن الخطة في المنتدى، وتستعرض الاستراتيجية القطاعات الأكثر عرضة لتغير المناخ، وتوصي بتدابير للتكيف، وتقدّر تكاليف التنفيذ. ويشيد مشروع الخطة بالمرونة العالية التي تتمتع بها شبكات الكهرباء بالمدينة والمجمعات السكنية وشبكات النقل. لكنها تثير مخاوف الموجات الحرارية الأكثر تواترا ووضوحا التي من شأنها أن تؤذي أو تقتل أعدادا متزايدة من سكان موسكو وتهلك الخضرة، فضلا عن سوء نوعية الهواء التي من شأنها أن تدهور الصحة.

وفي عام 2010، شهدت موسكو عرضا مسبقا إلى ما قد تضطر إلى التكيّف معه على أساس منتظم. وقال بوريس ريفيتش Boris Revich رئيس أكاديمية العلوم الروسية للعلوم البيئية Russian Academy of Sciences’s Environmental Health Laboratory: «تسبب ارتفاع درجات الحرارة لأكثر من 44 يوما في هذا الصيف إضافة إلى الشوائب الناتجة من حرائق الغابات والضباب الدخاني، إلى وفاة نحو 11 ألف شخص فى منطقة موسكو وخاصة بين مَنْ تجاوزوا 65 عاما.»

ولتحسين التعامل مع موجات الحرارة، تدعو خطة التكيّف إلى تحديث المستشفيات، وإنشاء إمدادات مجانية للمياه، وضمان وجود وحدات تكييف الهواء في دور رعاية المسنّين ورياض الأطفال.

وعلى الرغم من أنّ روسيا تستعد لتغير المناخ، إلا أنها أظهرت رغبة ضئيلة في كبح انبعاثات الكربون. وأكّد المستشار المناخي للرئيس مؤخرا أنّ روسيا تعتزم التوقيع على اتفاقية باريس للمناخ لعام 2019 أو 2020.  والبلد قادر على إنجاز القليل، حتى وإن كانت روسيا لا تزال تفي بتعهداتها المتعلقة بالانبعاثات للفترة من 2020 إلى 2030، التي تتراوح بين 25 إلى 30 في المئة دون مستويات عام 1990. وتعمل روسيا بالفعل على إبقاء الانبعاثات بنسبة 30%  دون مستويات عام 1990، أي قبل عام من انهيار الاتحاد السوفييتي قبل أن تتوقف الكثير من الصناعات الثقيلة.

وتتردد صناعات الكربون الثقيلة اليوم – وأبرزها قطاعات الفحم والصلب والمعادن في بذل المزيد نحو تقليل الانبعاثات، داعية إلى رفع كفاءة الطاقة طوعا دون تحديد مستويات معينة للانبعاثات.

وهذا النهج يوافق وجهة نظر الحكومة الاتحادية. وقد اقترح ياروسلاف ماندرون Yaroslav Mandron، وهو مسؤول بارز في شؤون المناخ بوزارة التنمية الاقتصادية الروسية في موسكو، في حديثه أمام منتدى للأمم المتحدة في نوفمبر 2016: «يجب أن تركز السياسة المناخية للحكومة الاتحادية على الكفاءة حتى عام 2030، وبعد ذلك يمكن أن تعيد النظر في فكرة تفعيل معايير الانبعاثات المشددة.»

ويقول أليكسي كوكورين Alexey Kokorin، مدير برنامج المناخ والطاقة في الصندوق العالمي للحياة البرية World Wildlife Fund  في روسيا، وهي مجموعة بيئية في موسكو، إنّ أهداف الانبعاثات الروسية غير طموحة بالتأكيد. ولكنه يرى علامات التقدم جليّة:  «من الجيد أن يعترف المسؤولون الروس والنخبة السياسية بالتهديدات الناجمة عن تغير المناخ وأن يعترفوا بضرورة التكيّف.»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق