الطب وصحة

دفع التكلفة أم السحب؟ استبيان يثير الصراع جهود الباحثين المتعصِّبة لحماية الملكية الفكرية تضمنت تهديدات قانونية

بقلم: آدم ماركوس، ريتراكشن واتش By Adam Marcus, RetractionWatch
ترجمة: مي منصور بورسلي

في يونيو الماضي كانت الباحثة في الرعاية الصحية بالولايات المتحدة تمسح رسائل بريدها الإلكتروني عندما لاحظت رسالة تبدو كأنها رسالة إعلانية. وكانت على وشك حذفها عندما استوقفها اسم في سطر  الموضوع: الدكتور موريسكي Dr. Morisky. إذ كانت الرسالة تتعلق بمُلخّص نشرته الباحثة مع زميلين لها في مجلة قبل أيام قليلة. وكان السؤال في الرسالة الإلكترونية عمّا إذا حصل الباحثون على ترخيص لاستخدام الاستبانة المحمي بموجب حقوق الطبع والنشر، وتدعى الاستبانة مقياس الالتزام الثامن لمواد موريسكي للأدوية Eight-Item Morisky Medication Adherence Scale (MMAS-8)، والذي استخدموه في الدراسة. ويساعد المقياس على توقع مدى التزام المرضى بنظام الدواء – وهو أمر مهم، لأنّ عدم الالتزام به يمكن أن يزيد من سوء الصحة ويُقدر بأن عدم الالتزام بتناول الدواء يكلّف 300 بليون دولار سنويا في الولايات المتحدة. وتقول الباحثة، التي كانت وقتها طالبة دراسات عليا في، إنها اتصلت بمؤلف المقياس، دونالد موريسكي Donald Morisky خبير الصحة العامة Public Health Specialist من جامعة كاليفورنيا University of California في لوس أنجلوس Los Angeles ، للحصول على إذن لاستخدام أداة الدراسة، لكنها لم تتلقَ جوابا. والآن، يطالب موريسكي وزميله، ستيف تروبو Steve Trubow، بمبلغ 6500 دولار مقابل استخدامها للمقياس. وردّت الباحثة مُتفاجئة بأنها لا تستطيع تحمل ذلك المبلغ، ولكنها عرضت 200 دولار. وجاء الرد بعد نحو ثلاث ساعات: «لسوء الحظ … لا يمكننا خفض الرسوم. … سنحول القضية إلى محامينا.» والباحثة – التي رفضت الكشف عن هويتها بناء على نصيحة من محامي الجامعة – ليست العالمة الوحيدة التي تصطدم بموريسكي. إذ يحرص بشراسة على حماية الملكية الفكرية، وطالب بمدفوعات تصل إلى عشرات الآلاف من الدولارات لكل من مئات الباحثين على مدى العقد الماضي. وقد قام فريقان على الأقل بسحب أوراق البحث بدلا من الدفع. وقاوم مؤلفون آخرون، متسائلين عن أخلاقيات وشرعية الطلبات.

ومن حق موريسكي طلب التعويض لاستخدام أداته المحمية لحقوق الطبع والنشر. كما يشجع القانونُ الأمريكي العلماءَ الأكاديميين وجامعاتهم على حماية اختراعاتهم والاستفادة منها، بما في ذلك تلك التي تُطوّر بتمويل من الأموال العامة. ولكن المراقبين يقولون أنّ تشدّد موريسكي في التطبيق وحجم مطالبه هو أمر مبالغ فيه. ويقول كيرت غيسينغر Kurt Geisinger، مدير مركز بوروس للاختبارات Buros Center for Testing بجامعة نبراسكا في لينكولن University of Nebraska in Lincoln ، الذي يقيِّم أنواعا كثيرة من الاختبارات المتعلقة بالأبحاث: «إنه أمر غير معتاد أن يُطالب بمثل هذا مبلغ.» ويشير هو وآخرون إلى أنّ العديد من العلماء يتنازلون بصورة روتينية عن مستحقاتهم عن مثل هذه الأدوات، ما دامت تُستخدم لأغراض البحث.

إنّ مقياس موريسكي، محفوظ بحقوق الطبع والنشر منذ عام 2006، وهو يُقيِّم أكثر من 110 حالة صحية ومتوافرة بأكثر من 80 لغة. كما يطرح أسئلة أساسية، مثل: «هل سبق لك أن قطعت أو توقفت عن تناول الدواء دون إخبار طبيبك …؟» وزادت شعبية الاستبانة في الأبحاث الصحية بعد أن تمت المصادقة عليه في دراسة قام بها موريسكي في عام 2008، وإن كانت تتوفر مقاييس مماثلة.

لماذا لا تتوفر الاستبانة لجميع العلماء مجانا؟ وفي الواقع، يقول موريسكي وتروبو إنهما سمحا للباحثين باستخدام الاختبار بالمجان لأكثر من  مليون مرة، بما في ذلك أكثر من 500 ألف مرة في الصين. ولكن يجادل موريسكي في أنّ المقياس هو أداة مهمة لعلاج المرضى. قائلا: «أنا أحاول إنقاذ الأرواح، وهذا هو إرثي.» وقال إنّه من خلال تفعيل حقوق الطبع والنشر له، يمكن أن يضمن استخدام الباحثين له بشكل صحيح. وقال تروبو إنّ بعض الباحثين: «يأخذون استبانة مزيفة من شبكة الإنترنت ويعرّضون المرضى للخطر.» فباستخدام أساليب التقييم غير المناسبة يمكن أن «يُسجَّل المريض الملتزم على أنه غير ملتزم، والعكس.»

ويقول تروبو، وهو ليس عالما، إنّه اتصل بمئات “العلماء”، معظمهم في الولايات المتحدة، بشأن انتهاكات مزعومة لحقوق الطبع والنشر. وفي نحو نصف الحالات، يدّعي أنّ الباحثين قد استخدموا المقياس بشكل غير صحيح، لأنهم لم يتمكنوا من الحصول على خوارزمية موريسكي للتقييم.

ويطلب إلى الباحثين أن يرخصوا الاختبار بأثر رجعي، إذ إنّ الرسوم (دولار لكل اختبار بالنسخة الإنجليزية أو 1.50 دولار لكل اختبار مترجم) ترتبط عادة بعدد مرات استخدامها. ويقول تروبو وموريسكي في الماضي إنهم قد أعادوا حساب بعض الدرجات “يدويا”، لذا أضافوا رسوما لتعويضه وقتهم.

وفي الحالات الأخرى، يوضّح تروبو أنّ المنتهكين المزعومين قد حصلوا على الخوارزمية واستخدموها بشكل صحيح، ولكن من دون إذن. لذلك، فإنّه في هذه الحالات يفرض ما بين 1200 و 1500 دولار، كما يطلب إلى العلماء تصحيح الأوراق المنشورة إذا لم يشيروا إلى اسم موريسكي. غير أنّ باستطاعة الباحثين أن يتخلصوا من تبعات موضوع الترخيص عن طريق التراجع أو سحب الأوراق البحثية التي قد تثير المشكلات. وقد تراجعت مجموعة بحثية واحدة في ماليزيا عن نشر ورقة في المجلة الدولية للعلوم الطبية التكاملية International Journal of Integrative Medical Sciences  في عام 2016 في غضون ساعات من تلقي الطلب من تروبو رسوما تعادل 750 دولار. وقد اختارت مجموعة أخرى في غانا سحب الورقة المقدمة بعد أن طلب إليهم تروبو مبدئيا رسوما بقيمة 500 دولار (المبلغ الذي تحصّل عليه الباحثون عن طريق طلبهم إلى جامعتهم الحصول على قرض مقابل رواتبهم). بعد ذلك رفع تروبو الطلب إلى 2000 دولار. ويخطط الفريق الآن لمحو بيانات الاستبانة من الورقة ثم إعادة تقديمها.

وأكّد تروبو أنّه قام بزيادة فاتورة الفريق الغاني إلى 2000 دولار، ولكنه يشير إلى أنّ موريسكي قد طلب المبلغ نفسه من مؤسسة في رواندا. وكتب: «إذا تمكنت من تدريب الأفراد والمصادقة علي كفاءتهم في غانا على … [استخدام MMAS-8] وتعديل مقالتهم بخصوص التعديات بمبلغ 500 دولار، أعلمني بذلك.»

ويقول هاريسون ألتر Harrison Alter، وهو باحث في طب الطوارئ Emergency Medicine Researcher من مستشفى هايلاند في أوكلاند Highland Hospital in Oakland  بولاية كاليفورنيا، إنّ مجموعته قد دفعت 500 دولار في عام 2015 لاستخدام النسخ الإسبانية والإنكليزية من المقياس. وعندما طلبوا تجديد الترخيص في يوليو الماضي لجمع بيانات للمتابعة، كان السعر قد قفز إلى 2000 دولار.

وكما ذُكر في الأوراق أنّ المستشفى سيواجه عقوبة قدرها 7500 دولار إذا فشل الباحثون في إدارة بعض الاختبارات الإضافية عن القلق والاكتئاب. ويدعو ألتر هذه العبارات “سخيفة ومفترسة”، ولكن مجموعته لا تزال تحاول، دون جدوى، في التفاوض على التجديد ولكن بتكلفة أقل. ويقول تروبو إنه خفّض السعر بالفعل، وأنّ مجموعة ألتر استخدمت الاستبانة بشكل غير قانوني “بعد فترة طويلة” من انتهاء الترخيص.

ويحارب بعض العلماء ذلك. فقد استخدم الباحثون مع غلاكسوسميث كلاين GlaxoSmithKline  نسخة من أربعة أسئلة من المقياس 8MMAS لدراسة نُشرت في عام 2010 في مجلة صحة المرأة بي أم سي BMC Women’s Health. وبعد أن كتب تروبو للشكوى، رفض محام الشركة طلب الدفع، بحجة أنّ نطاق الأسئلة الأربعة هو في المجال العام. ورد تروبو بأن محاميه سيعمل “على سحب المقال”، وأبلغ المجلة عن النزاع. ولم تتراجع المجلة عن الورقة، لكنها أضافت ملاحظة تقول إنّ بعض الأجزاء «تمت إزالتها بسبب بلاغ عن نزاع قانوني.» و يمكن للباحثين تجنب المسألة بأكملها باستخدام أداة بديلة أو تطوير ملاحظاتهم الخاصة، كما ذكر غيسينغر. ويضيف، لكن في الوقت الراهن، يتجاهل الباحثون تحذيرات موريسكي على مسؤوليتهم الشخصية.

وقد تكون العواقب وخيمة بشكل خاص لطلبة الدراسات العليا. وبموجب مبادئ توجيهية من جمعية علم النفس الأمريكية American Psychological Association ، على سبيل المثال، قد يواجه طلاب علم النفس الذين يرتكبون انتهاكات حقوق التأليف والنشر الطردَ من برامجهم.

ويمكن للتحول الأخير في استراتيجية موريسكي أن يقلل من الاحتكاك. ويقول تروبو إنّه سيتوقف عن فرض رسوم على العلماء الأفراد لاستخدامهم المقياس، وبدلا من ذلك سيقوم بدفع المؤسسات لاستخراج التراخيص التي يمكن أن تكلف عدة آلاف من الدولارات. ويعتزم الزميلان التركيز على المستشفيات والعيادات وشركات الأدوية سواء في الولايات المتحدة أم في الخارج.

ويواجه موريسكي في الوقت نفسه تساؤلات حول ما إذا كان يكشف بشكل صحيح عن حصته المالية عن منشوراته، بما في ذلك ورقة إثبات صحة قدّمها في عام 2008 في مجلة ارتفاع ضغط الدم السريري  Journal of Clinical Hypertension.

ومازالت الباحثة في الرعاية الصحية التي تواجه طلب التعويض بقيمة 6500 دولار في دهاليز قانونية. وقد حدد تروبو موعدا نهائيا للدفع في 17 يوليو، ولكن هذا التاريخ مرَّ دون أي اتصال آخر.

وتقول: «شخصيا، لا أريد لأحد أن يستخدم مقياسه مرة أخرى. إنه مقياس جيد جدا، ولكن ليس إذا كان سيكون بهذه الطريقة. قد كان هذا أسوأ شيء حدث لي في حياتي المهنية.»

————————

آدم ماركوس Adam Marcus المؤسس المشارك لريتراكشون واتش Retraction Watch. وقد نُشرت هذه المقالة في إطار التعاون بين مجلتي ساينس Science و ريتراكشون واتش.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق