العلوم البيئية

كيف تفضّل دورة مناخ المحيط نشوء إعصار هارفي قد تؤدي العوامل البشرية إلى إطالة أمد دورة التذبذب المُعزِّزة للعواصف الأطلسية متعددة العقود

بقلم: جوليا روسن Julia Rosen صحفية في بورتلاند، أوريغون.

ترجمة: مي منصور بورسلي

في الشهر الماضي  وضع إعصار هارفي Hurricane Harvey نهايةً لسلسلة من المصادفات الإيجابية: فأصبح الإعصار هارفي هو أوّل إعصار ضخم يحطّ على اليابسة في الولايات المتحدة الأمريكية منذ عام 2005. وقد هرولت العاصفة من الفئة الرابعة إلى تكساس Texas في الخامس والعشرين من أغسطس، حيث جلدت الرياحُ الساحلَ بسرعة 200 كم/ الساعة، وغمرت هيوستن Houston بالأمطار بارتفاع يزيد على المتر. وباعتبار هارفي ثالث إعصار لهذا الموسم، فقد أعطى أهمية لتنبؤات الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي National Oceanic and Atmospheric Administration (اختصارا: الإدارة NOAA) التي تُشير إلى أن عام 2017 سيكون عاما فوق المتوسط بالنسبة إلى العواصف الأطلسية Atlantic Storms. ولعقود، ظلت العواصف تُعزّز بفعل دورة  قوية وطويلة الأمد -ولكنها لا تزال غامضة- لدرجات حرارة سطح البحر في شمال الأطلسي، والتي تظل دافئة بثبات أثناء تولّد العواصف. وتُدعى هذه الدورة بذبذبة الأطلسي متعددة العقود Multidecadal Oscillation Atlantic (اختصارا: الدورة AMO)، التي تتأرجح بين المراحل الباردة والدافئة كل 20 إلى 60 سنة، وتُغير بذلك درجات حرارة الشمال الأطلسي بمقدار درجة واحدة أو نحوه وتُهيِّئ الظروف لموسم الأعاصير. ومازالت دورة AMOفي الحالة الدافئة منذ عام 1995، ولكن الباحثين غير متأكدين من توججها فيما بعد. وقد عُزي إلى الدورة AMO على نحو تقليدي التغيّرُ الطبيعي لتيارات المحيط، كما يَعتقد البعض أنها على أعتاب التحول مرة أخرى نحو مرحلة باردة وساكنة. ولكن البعض الآخر يقترح أنّ الأنشطة البشرية- أي مزيج من انخفاض تلوث الهواء والاحتباس الحراري  قد يطيل الفترة الدافئة الحالية، مما يجعل نشاط الأعاصير مرتفعا. وتقول رونغ تشانغ Rong Zhang، عالمة البحار Oceanographer من مختبر ديناميكيات الموائع الجيوفيزيائية Geophysical Fluid Dynamics Laboratory التابع للإدارة NOAA في برينستون Princeton بولاية نيو جيرسي New Jersey: «من المهم فهم الآلية.» وأضافت: «إنّ التوقعات هي عكس ذلك.»

وقد رصد الباحثون لأول مرة الدورة AMO من قياسات درجة حرارة المحيط التي امتدت على مدى 150 سنة ماضية. ولكن حلقات الأشجار وسجلات المناخ الأخرى المأخوذة من الأماكن التي تأثرت بشدة بدورة AMO تُظهر أدلّة على تغيرات في درجات الحرارة تعود إلى قرون. وقد انعكست التغيرات التي أحدثتها الدورة AMO عبرالنظام المناخي، على هطول الأمطار في أوروبا، والجفاف في الأمازون، والأعاصير الأطلسية (انظر الرسم البياني). إذ تُغذي المرحلة الدافئة العواصف عن طريق تسخين المحيط الأطلسي الاستوائي وتكثيف الرياح الموسمية Monsoon في غرب إفريقيا. وتقلل الرياح الموسمية الشديدة مثل لانينيا La Niña (نتيجة تبريد قادم من المحيط الهادي الاستوائيTropical Pacific ) رياحَ القصّ، أي التغيرات العمودية في اتجاه الرياح التي تميل إلى تفكيك العواصف الجنينية Storms  Embryonic. وتقوم الرياح الموسمية بتدوير الأنظمة ذات الضغط المنخفض إلى الأعلى التي تدخل إلى المنطقة الحاضنة للأعاصير في المحيط الأطلسي الاستوائي. ويقول جيري بيل Gerry Bell، المتنبِّيئ الرئيسي للأعاصير في مركز تنبؤ المناخ Climate Prediction Center التابع للإدارة NOAA في كامب سبرينغز Camp Springs بميريلاند Maryland: «هذا النمط من الرياح يسمح لهذه العواصف بتطوير وتنشيط دورانها بسرعة كبيرة.» وبمقاييس الإدارة NOAA، ستظل الدورة AMO في المرحلة الدافئة لهذا العام، ولكن البعض يرى  إشارات من التغيير. وكما يقول فيل كلوتزباش Phil Klotzbach، عالم أرصاد جوية Meteorologist من جامعة ولاية كولورادو Colorado State University في فورت كولينز Fort Collins: «كانت المياه في أقصى شمال الأطلسي، والتي بجانب غرينلاندا Greenland، باردة حقا- أكثر برودة من المعتاد.» وقال إنّه من المحتمل أن يؤدي هذا إلى الإخلال بنمط الظروف الاستوائية من على بعد، مما سبَّب مواسم أعاصير أكثرهدوءا من المتوسط فى الأعوام الأخيرة.

وقد يُنذرالشذوذ البارد بانتقالٍ نحو مرحلة هادئة، خاصة إذا كانت الدورة AMO مدفوعة بشكل رئيسي بالتغيرات الطبيعية في “الحزام الناقل” Conveyor Belt  لتيارات المحيط الأطلسي. وتسحب هذه الدورةُ المياهَ السطحية الدافئة نحو الشمال الشرقي على طول تيار الخليج Gulf Stream حتى تبرد وتنزل إلى الأعماق في البحار المحيطة بغرينلاندا، لتعود جنوبا نحو أعماق المحيط الأطلسي. وتقول تشانغ: «يجلب الدوران الأقوى المزيد من المياه الدافئة إلى الشمال ويؤدي إلى دورة AMO موجبة؛ وعندما تَفتُرُ الدورة، يبدأ التبريد في أقصى شمال الأطلسي ويتحرك باتجاه الجنوب، حيث تبلغ الدورة AMO ذروتها السالبة.» ووفقا لتقديراتها، فإن الدورة AMO قريبة الآن من الحياد. وتشير مقاربة كلوتزباش، والتي تأخذ بعين الاعتبار عامل درجات حرارة خطوط العرض المرتفعة، إلى أنّ  الدورة AMO قد تحولت بالفعل إلى المرحلة السالبة.

 ولكن الأبحاث الأخيرة تشير إلى أنّ العوامل من خارج المحيط قد تُثير أيضا التغييرات في الدورة AMO. وتشير سجلات المناخ الطبيعي إلى أنّ الانفجارات البركانية والتغيرات الصغيرة الناتجة من الشمس قد عملت على مدى قرون على تدفئة وتبريد المحيط، مما ساعد على تنظيم الدورة AMO. ويقول بن بوث Ben Booth، عالم المناخ Climate Scientist من مكتب الأرصاد Met Office بمركز هادلي Hadley Centre في إكسترExeter بالمملكة المتحدة: «إنّ البشر قد أضافوا في العقود الماضية تأثيرهم الخاص، مثل جزيئات الهباء الجوي Aerosol الناتجة من حرق الفحم، والتي تعكس أشعة الشمس إلى الفضاء، فيبرد المحيط بسببها.» ويرى بوث أنّ ارتفاع انبعاثات الهباء الجوي في النصف الثاني من القرن العشرين كان السبب الرئيسي للمرحلة الباردة الأخيرة من الدورة AMO التي استمرت من عام 1970 إلى عام 1994. وقد أدى الانخفاض اللاحق- بفضل قوانين الهواء النظيف في الولايات المتحدة وأوروبا- إلى تحفيز المرحلة الدافئة الحالية.

أما دور انبعاثات غازات الاحتباس الحراريGas Emissions  Greenhouse فهي قصة أخرى. فقد كان يُعتقد عموما أنّ المحيطات الحارة تعزّز كثافة العواصف، ولكن ليس بالضرورة تواترها، وعند احتساب الدورة AMO يطرح الباحثون جانبا الاحترار على المدى الطويل. ومع ذلك، يشير بحث ليزا ميرفي جوس Lisa Murphy Goes، عالمة في الغلاف الجوي Atmospheric Scientist في جامعة ميامي بولاية فلوريدا  University of Miami in Florida، إلى أنّ انبعاثات الغازات الدفيئة ربما لا تزال تساعد على إحداث تقلبات في الدورة AMO. ومع استمرار ارتفاع انبعاثات الغازات الدفيئة وانخفاض الهباء الجوي، تقول ميرفي جوس: «ستظل الدورة AMO موجبة قليلا، على الأقل إلى العقد القادم.» ويعتمد فهم ما ينتظرنا على ما سيطغى من المتغيرات الطبيعية أو التأثيرات البشرية. وعلى الأرجح أنّ كلتيهما ستؤديان دورا، إذ يقترح بوث أنّ التأثيرات تتفاوت حسب المنطقة. فقد تكون التغيرات في دورة المحيطات ذات أهمية في شمال المحيط الأطلسي- حيث يسود الشذوذ البارد، بينما تؤثر العوامل الخارجية مثل الهباء الجوي في المناطق الاستوائية. وقد تؤثر هذه القوى أيضا في بعضها البعض وعلى مدى عقود عديدة بطرق غير متوقعة، أو تتطور في ظل الآثار طويلة الأمد لتغيرالمناخ. ويقول بوث: «لدينا العديد من قطع الأحجية، ولكن ليست لدينا حتى الآن صورة شاملة.» ويمكن أن يكون هارفي الذروة المأساوية لعصر الإعصار الحالي، أو علامة على أنه لم ينتهِ بعد.

يقدم إعصار هارفي مختبرا لتجارب تنبؤات الولايات المتحدة

Hurricane Harvey provides lab for U.S. forecast experiments

بقلم: بول فوسن Paul Voosen

ترجمة: مي منصور بورسلي

حسد المُتنبِئون الجوِّيون الأمريكيون لسنوات زملاءهم في المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية المتوسطة المدى European Centre for Medium-Range Weather Forecasts  (اختصارا: المركز ECMWF) في ريدينغ Reading، المملكة المتحدة، التي لا تزال نمذجاتهم للتنبؤ بالأعاصيرهي المعيار الذهبي. إذ فشلت، بشكل سيِّى، دائرة الأرصاد الجوية الوطنية National Weather   Service (اختصارا: الإدارة NWS) في عام 2012 في التنبؤ بتحوّل اتجاه الإعصار ساندي Hurricane Sandy إلى نيو جيرسي New Jersey، في حين كان المركز ECMWF مصيبا في تنبؤاته. غير أنّ اثنين من الابتكارات التي اختبرت خلال إعصار هارفي Hurricane Harvey، أحدهما من وكالة ناسا NASA والآخر من الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي National Oceanic and Atmospheric Administration (اختصارا: الإدارة NOAA)، قد يساعدان على إحراز تكافؤ بين الجانبين الأمريكي والأوروبي. وما تعرضة الإدارة NOAA هو نمذجة تنبؤ جديدة كليا. وقد فاز مختبر ديناميكيات الموائع الجيوفيزيائية Geophysical Fluid Dynamics Laboratory (اختصارا: المختبر GFDL) التابع للإدارة NOAA في برينستون Princeton، نيو جيرسي New Jersey، قبل عامين بمنافسة لتوفير كود code حاسوبي لنمذجة الطقس من الجيل القادم. إذ كان يتعين على نمذجات الإدارة NWSأن تنتظر النتائج من محاكاة عالمية تستغرق وقتا طويلا قبل أن تتمكن من التركيز على مساحات أصغر وتشغيل نمذجات عالية الدقة للأعاصير. ويمكن أن يحاكي كود المختبر GFDL الجديد العواصفَ في الوقت نفسه الذي تتمخض فيه عالميا. ومن شأن ذلك أن يحسن التنبؤات المتعلقة بمسارات الأعاصير، إذ إنّ التنبؤات ذات المقاييس الدقيقة للنمذجات يمكن أن تُلقّم فورا في الدورة التالية من إجراء النمذجة، على العكس من الطريقة التقليدية التي يتأخر فيها ذلك.

وقد رصد المختبر GFDL  في الأسبوع الماضي –بتلهف- تطورَ العاصفة لمعرفة كيف يمكن مقارنتها باختبار تشغيل نمذجته. وفي يوم الخميس، قبل يوم من وصول الإعصار إلى اليابسة، اتفقت نتائج التجربة مع نتائج النمذجة الأوروبية من أنّ الإعطار هارفي سوف يضرب اليابسة، ثم يتوقف، ثم يعود مرة أخرى إلى خليج المكسيك قبل ضرب اليابسة مرة ثانية بالقرب من هيوستن في تكساس. ويفسرهذا التتابعُ هطولَ الأمطار المستمرة والكارثية التي ضربت ساحل تكساس في وقت قصير.

كما توقعت نمذجة المختبر GFDL ، الذي يسمى النمذجة FV3، بشكل صحيح أنّ هارفي سيطور عينين مزدوجتين Double Eyewall، وهي حلقة دائرية ثانية من العواصف حول الحلقة التي تضم العين الأصلية (مركز الإعصار). ويقول شيان جيان لين Shian-Jiann Lin، عالم في المختبر GFDL الذي قاد تطوير النمذجة  FV3، إنّ تركيز النمذجة على جانب من الإعصار مكّنها من توقع مجموع هطول الأمطار الشديدة التي شهدتها هيوستن قبل هطولها بنحو خمسة أيام.

ويقول كريس ديفيس Chris Davis، وهو خبير في علم الأرصاد الجوية Meteorologist من المركز الوطني لأبحاث الغلاف الجوي National Center for Atmospheric Research  في بولدر، كولورادو: «ينبغي توخي الحذر عند النظر إلى هذه النتائج، لا أعتقد أنه يمكن التوصل إلى استنتاجات ذات معنى حول أداء نمذجة بمجرد تطبيقها على عاصفة واحدة فقط.» ومع ذلك، يقول لين: «إذا أخذت بعين الاعتبار التاريخ الكامل لهارفي … أعتقد أنّ النمذجة FV3 العالمية من المرجح أنها الأفضل أداء.» وعلى الأرجح ستطبق النمذجة FV3 في مراكز التنبؤات في الولايات المتحدة العام المقبل. وقد يكون التنبؤ بشدة العواصف أصعب من التنبؤ بمساراتها، وهنا  يمكن لناسا المساعدة. فالعديد من النمذجات أخفقت في رصد تطوّر هارفي إلى عاصفة من الفئة الرابعة قبل أن يضرب اليابسة، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن ّ البيانات عن سرعة الرياح كانت متقطعة كما كان يصعب جمعها. ولملء الفراغ، أطلقت وكالة ناسا في ديسمبر الماضي ثمانية أقمار اصطناعية صغيرة Microsatellites متطابقة، وتدعى نظام الإعصار العالمي للملاحة الفضائية Cyclone Global Navigation Satellite System (اختصارا: النظام CYGNSS). وتعمل الكوكبة عن طريق الكشف عن خشونة سطح المحيط – للدلالة على سرعة الرياح- من الإشارات الراديوية المنعكسة من الأقمار الاصطناعية ذات نظام تحديد المواقع GPS. ويمكن لهذه الإشارات ذات الطول الموجي الطويل أن تمر عبر الستار المطري الذي يغلّف الأعاصير ويحد من تغلغل الموجات الميكروية Microwaves التي تكشفها أقمار الطقس التقليدية.

وقد كان هارفي أول اختبار النظام CYGNSS في حالة الرياح الشديدة. وفي الخامس والعشرين من أغسطس، قبل أن يبلغ هارفي اليابسة، صعد كريستوفر روف Christopher Ruf، وهو عالم ومهندس الغلاف الجوي لدى جامعة ميشيغان University of Michigan  في آن أربور Ann Arbor، طائرة نفاثة من طراز P-3، وهي طائرة مصممة لمُطاردة أعاصير تابعة للإدارة NOAA، متجها إلى عين العاصفة. وظل يشعر كما لو أن المقعد يسقط من تحته مرارا وتكرارا كلما هوت الطائرة في عين العاصفة. وفي كل مرة تشتد فيها الرياح كانت العاصفة تزداد كثافة.

ويقول روف إنّ الأمر سيستغرق أسابيع لمعرفة ما اذا كان النظام CYGNSS قد التقط هذا التكثيف الحاد. وستعكف الإدارة NOAA دراسة النتائج عن كثب. فالنظام CYGNSS هو مجرد تجربة ذات عامين، ولكن يمكن الاستعجال لضمها إلى الخدمة التشغيلية للإدارة NOAA. ويقول روف: «لقد أظهرت عمليات المحاكاة أنّ مهارة التنبؤ قد تحسنت. الآن نحن بحاجة إلى إثبات ذلك واقعيا.»

 مع تقارير إخبارية إضافية من قبل جوليا روزين Julia Rosen.

صورة

إعصار هارفي في 24 أغسطس: عاصفة من الفئة الرابعة، قبل يوم واحد من بلوغه اليابسة في ولاية تكساس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق