العلوم البيئيةتمويل العلوم

أستراليا تقطع الدعم عن المواقع الإيكولوجية طويلة المدى

أمام مثل هذا التهديد، يتدافع العلماء للعثور على تمويل بديل

 

يقلم: جون بِكريل John Pickrell  

 إنّ صحراء سيمبسون Simpson Desert بوسط أستراليا Australia صحراء باهرة الجمال، كما أنها خلابة بيئيا. إذ تمتد صفوف من الكثبان الرملية ذات اللون الأحمر الصّدئ إلى مئات الكيلومترات دون إنقطاع. وخلال السنوات النادرة التي ساد فيها هطول الأمطار الغزيرة، اكتست مجاري السيول Swales بأعشاب السبينيفيكس Spinifex الشائكة التي تبدو كحقول من القمح الذهبي.

وتغطي النظم الإيكولوجية الصحراوية Desert ecosystems، والتي تهيمن عليها أعشاب سبينيفيكس أو تريوديا Triodia نحو 70% من أستراليا، غير أنّ التجربة الوحيدة طويلة المدى لدراسة هذه النباتات تقع في قسم من الصحراء بغرب كوينزلاند Queensland، وقد غدا موقع البحث هذا معرضا للخطر الآن.

وتخطط هيئة ممولة من قِبل الحكومة الفدرالية الأسترالية لوقفِ تمويل جميع المواقع الاثني عشر في شبكة الأبحاث الإيكولوجية طويلة المدى Research Network Long Term Ecological في أستراليا (اختصارًا: شبكة الأبحاث LTERN)، بما في ذلك موقع صحراء سيمبسون الذي تبلغ مساحته 8000 كيلومتر مربع في نهاية هذا العام.

وفي رسالة نُشرت في عدد 11 أغسطس من مجلة ساينس Science، انتقدت غليندا واردل Glenda Wardle، الإيكولوجية من جامعة سيدني University of Sydney بأستراليا، وهي الرئيس المشارك في مشروع صحراء سيمبسون، إضافة إلى 68 من المؤلفين المشاركين القرارَ بأنه: «لا يتفق مع الاتجاهات الدولية والضرورات الوطنية.». وتتدافع واردل الآن مع رؤساء مشاريع أخرى لإيجاد مصادر تمويل أخرى قبل أن تفرغ خزائنهم.

وقال المناصرون إن وقف تمويل شبكة الأبحاث الإيكولوجية طويلة المدى (اختصارا: الشبكة LTERN) قد تترتب عليه عواقب وخيمة. «في بلد مثل أستراليا، نواجه تحديات ضخمة بفعل تغير المناخ، ومع النمو السكاني، ومع الضغوط الكبيرة على إمدادات المياه ومساحة الأرض- لن نكون قادرين على التنبؤ بأي شيء حول وضع مواردنا البيئية،» كما يقول ديفيد ليندنماير David Lindenmayer، مدير العلوم في شبكة الأبحاث LTERN، والمُوقّع الرئيسي على الرسالة، والإيكولوجي من الجامعة الوطنية الأسترالية University Australian National في كانبيرا Canberra. وقد تنبأ بأنّ منع المُهلة ذات الاحدى عشرة ساعة، ستضطر بعض المواقع إلى الإغلاق بالتأكيد. وأضاف: «إنها خسارة كارثية لأنّه لن تكون له القدرة الحقيقية على تقدير على سلامة البلاد.»

وأظهرت دراسة صحراء سيمبسون -التي بدأت في عام 1990- أنّ الأمطار الغزيرة تسبب فورة في الغطاء النباتي والبذور التي تؤدي بدورها إلى تكاثر الحشرات والجرابيات الصغيرة والقوارض. وتستقطب الأحواض النائيةPools outback أسرابا هائلة من ببغاوات الباراكيت Parakeets المعروفة ببغاوات بدجاريز Budgerigars. و يجذب تفجّرُ الحياة هذا الثعالبَ والقطط الوحشية، التي كان لها دور في انقراض 27 من الأنواع والأنواع الفرعية من الثدييات في أستراليا منذ الاستعمار الأوروبي في عام 1788. إذ دمّرت الأنواعُ الغازية الأنواعَ الفطرية التي قد تقضي سنوات عديدة مختبئة في الغابات الحرشية المتناثرة حتى يبدأ هطولُ الأمطار العذبة الدورةَ مرة أخرى.

وتقول واردل إذا رصدتَ الحيوانات الصحراوية لبضع سنوات فقط على حدة، ستفوتك هذه الديناميكية، «قد قدّمت الأبحاث LTERN في صحراء سيمبسون رؤى أساسية في بيئة أستراليا النائية،» ومعلومات حاسمة لحماية الأنواع المهددة بالانقراض والموارد الطبيعية الأخرى.

ويشتمل الاثنا عشر مشروعا في شبكة الأبحاث LTERN على أكثر من 1100 موقع ميداني مرصود على المدى الطويل من النظم الإيكولوجية بما في ذلك: الأراضي العشبية (المرتفعة) الشاهقة Alpine grasslands، والغابات الرطبة الطويلة Tall wet forests، والغابات الحرشية المعتدلة Temperate woodlands، والمروج المغطات بالشجيرات المنخفضة (أراضي الجُنيبات) Heathlands ، والسافانا الاستوائية Tropical savannas، والغابات المطيرة rainforests، والصحاري Deserts. وبعض المواقع فريدة من نوعها على مستوى العالم، بما في ذلك أشجار جبل الرماد (يوكاليبتوس ريجنانز Eucalyptus regnans ) وهي أكبر النباتات المثمرة في غابات ولاية فيكتوريا. وقد بدأت جميع المواقع في شبكة الأبحاث الاثنا عشر كمشاريع منفصلة تديرها الجامعات ثم جُمعت بعد ذلك في عام 2012 تحت شبكة أبحاث النظم الإيكولوجية البرية الحكومية Terrestrial Ecosystem Research Network (اختصارا: TERN) في بريسبن Brisbane.

 

آمل بأن يرتفع طائر الفينيق من الرماد

 ديفيد كيث، جامعة نيو ساوث ويلز

 

وقد وجّه مجلس إدارة شبكة الأبحاث TERN بسرية لإيقاف البرنامج الذي يكلّف 900 ألف دولار أسترالي. وتقول المديرة التنفيذية لشبكة الأبحاث LTERN إيما بيرنز Emma Burns إنّ شبكة الأبحاث TERN لم تتلقً بعد «مبررات واضحة أو مكتوبة» من المجلس بخصوص هذا القرار. إلاّ أنّ هذا التخفيض يعكس: «تراجع التمويل الحكومي للأبحاث الإيكولوجية والرصد فى السنوات الأخيرة.» وتقول أنّ تمويل للعلوم البيئية في أستراليا يميل إلى تفضيل المنح ذات المدى القصير أو النفقات الأولية الكبيرة للمشاريع والبنى التحتية على التكاليف الجارية مثل تعيين الموظفين الضروريين في التجارب الإيكولوجية طويلة المدى.

لكن أولويات التمويل ليست العامل الوحيد، كما تقول مديرة شبكة الأبحاث TERN بيريل موريس Morris Beryl. فبعض مواقع شبكة الأبحاث LTERN لا تلتزم بمتطلبات الحكومة من حيث تسهيل وصول الباحثين، كما تقول، وبعضها لا يجمع البيانات بطريقة موحدة تسمح لها بالتكامل مع النظام الوطني للتنبؤ البيئي قيد التطوير. وتقول إنّ شبكة الأبحاث TERN ستستمر بتمويل مجموعة من المواقع طويلة المدى التي ليست جزءا من شبكة الأبحاث LTERN، بما في ذلك غابات أشجار وارا Warra الصمغية الطويلة بتسمانيا.

ولن يستسلم علماء شبكة الأبحاث LTERN من دون قتال. ولتوضيح قيمة شبكة الأبحاث LTERN، قاموا بالإفصاح عن عدد من النتائج الرئيسية. فعلى سبيل المثال، في عام 2010، كشفت الدراسات التي تركزت على حديقة كاكادو الوطنية Kakadu National Park جنوب داروين Darwin بأستراليا، انخفاضا شديدا في عدد الجرابيات الصغيرة وثدييات أخرى. ويقول رئيس الشبكة المشارك جيريمي راسل سميث Jeremy Russell-Smith، من جامعة تشارلز داروينCharles Darwin University في داروين، إن السبب ربما كان نتيجة الحرائق المتكررة جعلت الأرض مفتوحة مما سمح للقطط الوحشية بالقضاء على الأنواع المحلية. «افترض الناس [أنّ النظام الإيكولوجي] كان سليما تماما،» كما يقول. وأضاف: «لكن وجهة النظر هذه غير صحيحة، ونحتاج إلى فترات طويلة من الرصد لإظهار ذلك.»

ويقول ديفيد كيث David Keith، -الإيكولوجي من جامعة نيو ساوث ويلز في سيدني University of New South Wales، والذي يدير دراسات في ثلاثة مواقع- سيترتب على إغلاق شبكة الأبحاث LTERN مشكلات دولية. فمن بين الثمانين موقعا من المواقع الإيكولوجية المهددة بالإغلاق من قبل الحكومة الأسترالية، فإن أربعا عشرين موقعا مرصودا منها مدرج على أنه مهدد من قبل الحكومة الأسترالية ، وتوفر دراسات شبكة الأبحاث LTERN أطول وأكثر مجموعة من موثوقة بها من البيانات. وأضاف سميث قائلا: «سيضعف إيقافها قدرة أستراليا بشكل كبير… على الإبلاغ عن التقدم لتحقيق الأهداف الدولية المتفق عليها بموجب اتفاقية التنوع البيولوجي.»

ويقوم ليندنماير وغيره بمحاولة أخيرة للعثور على مصادر جديدة للتمويل لتحقيق استقرار في شبكة الأبحاث LTERN، حتى وإن كانوا محظوظين، لتوسيع الشبكة لتضم أنواع النظم الإيكولوجية الرئيسية التي تفتقر حاليا إلى المراقبة طويلة المدى. ويقول كيث: «أنا آمل بأن ينهض طائر الفينيق من الرماد .»

 

جون بكريل John Pickrell: صحفي علمي من سيدني بأستراليا.

‬©2017‭ The ‬American Association for the advancement of Sciences‭. ‬

All right reserved‭.‬

حقوق الترجمة العربية محفوظة لمؤسسة الكويت للتقدم العلمي

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق