الطب وصحةعلم الجينات والوراثة

أكباد مُصغَّرة تكشف تفاصيل تطور الأعضاء

تبدأ التراكيب ثلاثية الأبعاد بالظهور في أطباق اختبار خلال تفاعل الأنواع المختلفة من الخلايا، مما يحفز تمايزها
بقلم: إليزابيث بينيسي
ضَعْ القليل من الخلايا الجذعية في مُستَنبَت مزرعة مختبرية ثلاثي الأبعاد، وزودها بالغذاء بعناية، وقتها قد تنمو لتصير –بشكل مخيف- شيئا يشبه عضوا مصغرا لعضو، كالدماغ أو القلب أو الكبد أو الأمعاء، وتصير مكونة من طبقات من الخلايا المتمايزة، بل إنك قد تلاحظ بوادر لوظيفة ما. الآن، يقوم العلماء بالتعرف على التفاعلات الجزيئية التي تحكم نمو أشباه الأعضاء Organoids هذه، وكذلك الأعضاء الحقيقية التي تشبهها.

وفي العدد الصادر هذا الأسبوع من مجلة نيتشر Nature، نُشِر أحد التحاليل الجزيئية الأكثرِ تفصيلا حتى الآن لأشباه الأعضاء؛ وهو عبارة عن تقييم على مستوى الخلايا المفردة لكيفية تشكيل وترتيب الخلايا السلف Precursor cells [الخلايا الأولية التي تتشكل منها خلايا أخرى] لنفسها لتصير شيئا يشبه بشكل ما كبدا فاعلة، حتى وإن كان قطرها لا يتجاوز ملّيمترات قليلة. فقد حلّل الفريق تسلسل الحمض النووي RNA في كل خلية، متتبعين التعبير الجيني الذي قد يقود إلى النمو الأولي لعضو معقد يقوم بإزالة السموم من الدم، ويساعد على الهضم، ويقوم بالكثير من الوظائف الأخرى. ويوجه هذا العمل إلى اتجاه جديد في الأبحاث على أشباه الأعضاء، وذلك بحسب ما يقول جاسون سبينس Jason Spence، عالم بيولوجيا النمو في جامعة ميشيغان بآن آربر، ويقول كذلك: «تحليل تسلسل الخلايا المفردة هو طريقة جميلة من أجل … وصف هذه الأنظمة بدرجة عالية من الصرامة.»

يمكن لفهمنا لكيفية نمو أشباه الأعضاء الكبدية على المستوى الجزيئي، وكيفية اختلافها عن الأعضاء الطبيعية، أن يؤثر في الاحتمالات المستقبلية لاستبدال الأكباد المريضة بأنسجة زرعت في أطباق الاختبار. فقد كان هذا سبب اتصال تاكانوري تاكيبي Takanori Takebe بباربارا ترويتلاين Barbara Treutlein مُفاتحا إياها بالموضوع. وتاكيبي هو من شارك في تنمية أشباه الأعضاء الكبدية واضعا نصب عينيه جعلها قابلة للزراعة مستقبلا، وترويتلاين هي خبيرة في تحليل الخلايا المفردة. وبعد أن سمع ترويتلاين وهي تشرح عملها الذي يفصِّل النشاط الجيني في الرئة الجنينية للفأر، سأل تاكيبي وكيسوكي سيكيني Keisuke Sekine، وكلاهما من مدرسة الدراسات العليا في الطب في جامعة مدينة يوكوهاما باليابان، ما إذا كانت تود أن تجرب الطريقة نفسها مع الأكباد المصغرة التي عندهما. وأشباه الأعضاء هذه، بخلاف غيرها من أشباه الأعضاء، استزرعت من ثلاثة أنواع من الخلايا، وهي خلايا جذعية كبدية، وخلايا لُحمية متوسطة Mesenchymal ، وخلايا بطانية Endothelial، بدلا من استخدام نوع واحد من الخلايا كما هو المعتاد، وقد أرادوا أن يعلموا كيفية تتفاعل هذه الخلايا.

اشترك تاكيبي الذي يعمل أيضا في مركز طبي بمستشفى الأطفال في سينسيناتي Cincinnati Children’s Hospital في أوهايو، وسيكيني مع ترويتلاين وشريكها وزميلها جيه. غراي كامب J. Gray Camp، من معهد ماكس بلانك لعلم الأنثربولوجيا التطوري في لايبزيغ بألمانيا. وقد استخدموا وصفة تاكيبي لاستزراع أشباه أعضاء كبدية ثلاثية الأبعاد، وأخذوا خلايا مفردة من المراحل المختلفة من تطورها، وحللوا التسلسل الجيني للحمض النووي RNA المُرمِّز للبروتينات الذي نُسخ من الجين الأصلي، مما أعطى صورة عن النشاط الجيني في كل نوع من أنواع الخلايا. وعلى سبيل المقارنة، قام الباحثون أيضا بتقييم النشاط الجيني مع مرور الوقت في خلايا كبد لجنين بشري وأخرى لكبد إنسانٍ بالغ، ويذكر الفريق أن أنماط النشاط الجيني في أشباه الأعضاء تطابقت بشكل قريب مع الأنماط في الكبد الجنينية، لكنها لم تتطابق مع الأنماط في خلايا الإنسان البالغ. وهذه النتيجة تشير إلى أن شبه العضو ثلاثيَّ الأبعاد ملتزم باتباع برنامج نمو للكبد، إلا أنهم لم يتمكنوا بعد من دفع العضو إلى النضوج.
بعد ذلك حلل الفريق بيانات النشاط الجيني ليحددوا أي الخلايا أنتجت بروتينات إشارة Signaling Proteins، وأيها عملت كمواقع ارتباط Docking sites لتلك البروتينات. وقد أتاحت هذه البيانات للعلماء أن يجمعوا قطع أحجية شبكة التفاعلات بين الخلايا خلال مرحلة تكوينها لشبه العضو ثلاثي الأبعاد. أما ميريتسيل هوخ Meritxel Huch، اختصاصية بيولوجيا الخلايا الجذعية من معهد غوردون Gurdon Institute في كامبريدج بالمملكة المتحدة، التي استزرعت شبه عضو كبدي ثلاثي الأبعاد خاصا بها، وقد اشتقته من خلايا جذعية لبالغين، فتقول: «هذه هي المجموعة الأولى التي تنظر إلى مسألة تبادل التواصل بين الأنواع الثلاثة من الخلايا، وتثبت ذلك التواصل. وإنه لعمل متميز.»
وبعدها ابتكر كامب وزملاؤه طريقة لعمل الآلاف من “الأكباد الدقيقة” Microlivers ذات حجم أصغر بكثير، وقد عرّضوها لمثبطات كيميائية لتثبيط الإشارات التي حددوها مسبقا. وعن طريق مراقبة أثر كل مثبط على الأكباد الدقيقة، استطاعوا استخلاص أثر كل تفاعل في نمو الكبد. وقد ظهر أن البروتين VEGF، وهو إشارة نمو، والمُستقبِل Receptor الخاص به هما أمران أساسيان لتحفيز الخلايا للتخصص كخلايا شبيهة بخلايا الكبد.
كما تشير الدراسات إلى أنه مع ازدياد حجم شبه العضو ثلاثيّ الأبعاد، فإن نقص الأكسجين داخل كتلة النسيج يُحفِّز خطوه مهمة نحو نضوج العضو؛ فعند حصول نقص التأكسج Hypoxia، فإن الخلايا التي المُقدَّر لها أن تصير أوعية دموية تنتج بروتينات إشارة تجعلها (أي الخلايا) تعيد ترتيب نفسها، في خطوة أولى نحو تشكيل أوعية دموية. وإذا ما زُرِع برعم الكبد الناشئ هذا في فأر في هذه المرحلة، فسرعان ما تنبت الوصلات مع الجهاز الدوري الخاص بالفأر.
ويقول سبينس إن طريقة الخلية المفردة هذه «تتيح لك حقا، وفي ظروف تجارب مُتحكَّم فيها، أن تضع خليتين مع بعضهما وتسأل نفسك: ما أوجه اختلافهما.» وولما كان شبه العضو هو نسخة مصغرة من العضو نفسه، فإن فهم هذه التفاعلات، وما سيعنيه لنا ذلك يوما ما فيما يتعلق بعلاج المرضى بأكباد تستزرع في أطباق مختبرية، لهو أسهل بكثير من فهمها في العضو الطبيعي، وذلك بحسب سبينس. ويتابع قائلا: «من الصعب تصور كيف يمكن لنا أن نفعل ذلك في النماذج الحيوانية.»
لكن، على الرغم من إنجاز الفريق، فإن كامب يبقى حذرا حول مدى الصلة بين نماذجهم في أطباق الاختبار والعضو متعدد الوظائف الذي وصفه الشاعر التشيلي بابلو نيرودا Pablo Neruda على أنه “مستودع حشاشة” الجسم. ويوضح كامب: «ما زال ينقص هذه الأنظمة الكبدية المصغرة الكثير؛ فهناك الكثير مما يجب القيام به للحصول على التركيب الذي يشبه الكبد مشابهة حقيقية.»

 

©‭ ‬2017‭ ‬American Association for the Advancement of Science‭.‬ ‬All rights Reserved‭.‬

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق