علم الأحياء التطوري

هل كان الحنانُ الدافعَ إلى تطور لغةِ نوعِنا؟

الدراسات التي أُجريت على الحيوانات تُشير إلى أنّ الوداعةَ هي مفتاح تطور اللغة

إذا كنت ترغب في اقتناء حيوانات أليفة لا تُحدث ضجة، ففكر باقتناء عصفور الفينش البنغالي Bengalese finch. إذ يُطلقُ عليها اسم العصافير الاجتماعية للطافتها وغالبا ما يستخدمها مربو الحيوانات لرعاية الفراخ غير ذات الصلة بها. وبمقارنة الطائر المُغرّد الأبقع بسلَفِه البري، الطائر مُونِيا أبيض الردف White-rumped munia، حينها يمكنك أن تسمع وترى الفروق: يميل لون المونيا العدائية إلى أن يكون أكثر قتامة وتُصفّر بنشاز بصوت حاد، بينما يصدح عصفور الفينش الأليف بلحن معقد جدا لدرجة أن قد يتساءل غير الموسيقيين كيف تَعلّم هذا الطائر المحبوس في قفص الغناء.

وكل هذا يجعل الطيور المستأنسة والطيور البرية تجربة طبيعية مثالية للمساعدة على استكشاف مقترح جديد حول التطور البشري، الذي يفترض: اللبنات الأساسية للغة هي نتيجة ثانوية لتغييرات الدماغ التي نشأت عندما فضّلت عملية الانتخاب الطبيعي Natural selection التعاون بين البشر الأوائل. ووفقاً لهذه الفرضية، فإنّ المهارات، مثل تعلّم النداءات المعقدة وتركيب الأصوات المنطوقة ومعرفة –ببساطة- رغبة مخلوق آخر في التواصل، جاءت كنتيجة لسمات تُحبِّذ نشوء السلوك الاجتماعي مثل الحنان. وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ الحيوانات المستأنسة التي تُربى لتكون طباعها جيدة، قد تُظهر مثل مهارات التواصل هذه أيضًا.

والفكرة مُتجذّرة في فكرة أقدم بكثير: البشر روّضوا أنفسهم. وتقول فرضية الترويض الذاتي Self-domestication hypothesis، والتي وضعها أول مرة تشارلز داروين Charles Darwin، أنه عندما بدأ البشر الأوائل بتفضيل الأصدقاء والشركاء التعاونيين على الأشخاص العدوانيين استأنسوا أنفسهم (Science, 24 October 2014, p. 405). وإلى جانب الاستئناس، فقد حدثت تغيرات تطورية في الثدييات المستأنسة الأخرى، حواجب أكثر تشذيبا وأوجه أقصر وسمات أكثر أنوثة، ويرجع الفضل جزئيًا في ذلك إلى انخفاض مستويات الأندروجينات Androgens الدائرة في الدم (مثل هرمون التستوستيرون Tosterone) التي تميل في العادة إلى تعزيز العدوانية.

وكانت مستويات أعلى من الهرمونات العصبية Neurohormones مثل السيروتونين Serotonin أيضا جزءاً من حزمة الاستئناس. وتساعدنا هذه الهرمونات المُحبّذة  للسلوك الاجتماعي على الاستدلال على الحالات العقلية للآخرين والتعلم من خلال الاهتمام المشترك وحتى الربط بين الأشياء والإشارات الدالة عليها، أي كل الشروط المسبقة للغة، كما يقول عالِم نفس النمو مايكل توماسيلو Michael Tomasello من جامعة ديوك Duke University في دورهام  بنورث كارولينا، الذي يبحث في الإدراك الاجتماعي Social cognition.

     وفي أوراق البحث الحديثة، والتي قُدِّمت في مؤتمر إيفولانغ Evolang، وهو مؤتمر نصف سنوي عن تطور اللغة عُقد في برشلونة  هذا الربيع، اتجه الباحثون إلى الطيور والثعالب وقردة البونوبو للمساعدة على فهم كيف مهَّد الاستئناس الطريق أمام نشوء لغة. إذ تصف كونستانتينا ثيوفانوبولو Constantina Theofanopoulou، عالمة الأعصاب من جامعة برشلونة University of Barcelona في إسبانيا حيث عُقِدت ورشة إيفولانغ، الفرضيةَ العاملة بأنها: “واعدة جدًا ” لتعليل المسألة الشائكة لتطور اللغة، وتُضيف قائلة لأنها: “تجمع الأدلة من مستويات مختلفة من التحليل البيولوجي: التشريحية والدماغ وجهّاز الغدد الصماء والسلوك .”

 أثناء حديثه في إيفولانغ، ركّز عالم الطيور كازيو أوكانويا Kazuo Okanoya من مركز ريكن لعلوم المخ  Riken Center for Brain Science في واكو باليابان، على عصفوري المونيا والفينش البنغالي، الذي استأنسه الناس منذ نحو 250 سنة. وكلا العصفورين يتعلم الأصوات، وهي سمة نادرة تسمح لهما بالتقاط النداءات من معلمين بالغين – مثلما تفعل الببغاوات، والطائر الطنّان والبشر. لكن أغنياتهما مختلفة إلى حد كبير، كما أثبت أوكانويا بواسطة أمثلة لصفير كل منها.

وبعدها قَدَّم أوكانويا بياناتٍ لتحديد ما سمعه الجمهور: تميل تغريدات المونيا إلى أن تكون أقصر وأبسط ومليئة بالأجزاء غير المتزامنة من “الضوضاء” الصوتية، مقارنة بتغريدات الفينش الأطول والأعلى نبرة، والتي تحتوي على الهمسات والزقزقة والأجزاء التي غالبًا ما تتكرر وتُعاد توليفتها بِطُرق ارتجالية.

ويقول أوكانويا إنّ الاختلافات التي نشأت ترجع على الأرجح إلى الاستئناس، لا سيما في بيئة عصافير الفينش الخالية نسبيا من التوتر. كما بيّن  أنّ لعصافير الفينش مقارنة بالمونيا مستوياتٍ أقل من الكورتيكوستيرون Corticosterone في برازها، وهو هرمون يعزز العدوانية ويقلل من الأداء المعرفي في الطيور. وقد ذكر أوكانويا في حديثه أنّ مستويات الكورتيكوستيرون العالية تُثبِّط نمو الخلايا العصبية (العصبونات) في نظام تعلّم الغناء الخاص بالطيور، والذي هو أكبر في عصافير الفينش منه في طائر المونيا.

وهكذا، يفترض أوكانويا أنّ اختيار أصحاب الحيوانات الأليفة للوداعة والاُلفة قد عزز قدرة عصافير الفينش على الأغنيات المُعقّدة. ولأنّ الأغنيات التي تجذب انتباه الإناث تساعد الذكور على الإعلان عن الكفاءة، فإن الذكور الأفضل في التعلم والغناء من المرجح أن ينقلوا جيناتهم إلى الجيل التالي، مما يُحفّز المزيد من التعقيد.

 إذا طوّر البشر الأوائل بطريقة ما بيئة “مستأنسة” خاصة بهم وأقل توترًا، ربما كنتيجة لتسهيل الحصول على الغذاء، فقد كان من الممكن لذلك أن يعزز التعاون ويقلل من العدوان، كما يُخمّن اللغوي التطوري سيمون كيربي Simon Kirby، شريك جيمس توماس  James Thomas في كتابة ورقة البحث الأخير في دورية بيولوجي آند فيلوسوفي Biology & Philosophy، وكلاهما من جامعة أدنبرة The University of Edinburgh. وكما هي الحال مع الفينش، فقد سمحت البيئة الهانئة بدور عميق في التعلم، بما في ذلك اكتساب اللغة.

ويشير كيربي وتوماس إلى نظير آخر للبشر: الثعالب المستأنسة. ففي تجربة مشهورة بدأت في الخمسينات من القرن العشرين، اختار عالم الوراثة الروسي دميتري بيلاييف Dmitry Belyaev وزملاؤه ثعالب مستأنسة من الثعالب السيبيرية الفضية المصطادة. فإذا لم يهاجم الثعلب البري يد الإنسان داخل القفص، فإنهم يقومون بتربيته. وعلى مدار أكثر من خمسين جيلاً، غدت الثعالب تشبه أنواعًا مستأنسة أخرى، ذات وجوه أقصر وذيول معقوفة وألوان فراء أفتح، وهي سمات ارتبطت منذ ذلك الوقت بتحولات في هرمونات ما قبل الولادة.

 ولاحظ توماس وكيربي أنّ الثعالب المروّضة أدركت أهمية الإشارة والتحديق البشري على عكس نظرائهم الوحشيين. وهذه القدرة على “قراءة العقل” هي مفتاح اللغة. وهكذا، على الرغم من أنّ الثعالب لا تصدر أصواتا معقدة، فإنها تظهر أنّ الانتخاب للوداعة فقط قد يحمل معه تطور مهارات الاتصال في أعقابه.

وفي مؤتمر إيفولانغ، ركز باحثون آخرون على البونوبو، وهي قردة كبيرة تظهر بعض علامات الاستئناس الذاتي، بما في ذلك مستويات منخفضة من العدوان وحساسية لنظرات الآخرين. ووفقًا لزنّا كلاي Zanna Clay، وهي اختصاصية رئيسيات من جامعة دورهام Durham University في المملكة المتحدة، فإنّ البونوبو تُظهر أيضًا لبنة من لبنات بناء اللغات الأولى: بدلاً من التمسك بمجموعة ثابتة من النداءات “المتوارثة” يمكنها الارتجال.

 لقد جمعت كلاي وزملاؤها مئات التسجيلات من 18 بونوبو في البرية وفي حدائق الحيوان، تدل على أنّ الأفراد يجمعون أنواعاً معينة من النداءات بطرق مميزة لمختلف المواقف. وافترضت أنّ الاستئناس الذاتي ربما ساعد على تشكيل هذه المرونة التواصلية.

وقد يأتي دليل أقوى من الدراسات الجينية. فثيوفانوبولو وفريقها نظروا مؤخراً إلى الأبحاث العلمية المنشورة حول الجينات المتباينة بين الأنواع البرية والمستأنسة، مثل القطط والكلاب والخيول والماشية، والتي تظهر أيضًا علامات على الاختيار في الحيوانات المستأنسة. كما نظر الفريق إلى الأبحاث المشابهة في البشر المعاصرين وما اعتبروه أقرب ما قد يكون لنوع البشر البري وهم النياندرتال والدينيسوفان.

وبعد ذلك، بحث الباحثون عن جينات قد تكون تطورت بالطريقة نفسها في أكثر من زوج مستأنس/متوحش. وكان هناك أكثر من ستٍ وثلاثين نتيجة، يرتبط العديد منها بلدونة الدماغ والتعلم وتطوير النظام العصبي، كما أفاد الفريق في أواخر العام الماضي في المجلة العلمية PLOS ONE. وترتبط بعضها، مثل جين مُستقبِل الناقل العصبي الغلوتامات Glutamate، بعمليات يمكن أن تُشكّل دماغًا مستعدًا للغة. ولكن أنطونيو بينيتيز – بوراكو Antonio Benítez-Burraco، وهو عالم لغوي من جامعة إشبيلية University of Seville في إسبانيا، يُحذر من أنه ليس هناك مسار واضح حتى الآن بين الجينات وعملها- أو التغييرات الشاملة المرتبطة بالاستئناس.

 ويُحذّر توماسيلو أيضا من محاولة شرح اللغة البشرية بالاعتماد  على النماذج الحيوانية  فقط. ويقول: “أعتقد أنّ البشر قد انتخبوا للتعاون في الواقع،”، وليس فقط للتخلص من العدوانية. “[وهذا] الدافع التعاوني الأساسي … هو مقدمة لتواصل بشري فريد.”

مايكل إيرارد Michael Erard كاتب مُقيم من معهد ماكس بلانك لعلم اللغة النفسي Max Planck Institute for Psycholinguistics في نيميجن بهولندا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق