تكنولوجيا

مفاعل اختبار وزارة الطاقة الأمريكية المُقترح يثير الجدل

الكونغرس يُفضّل مصدر النيوترون السريع متعدد الاستخدامات، لكن بعض العلماء يرون أنّ الحاجة إلى مثل ذلك قليلة

 

إنّ خطط إنشاء مفاعل أبحاث نووية أمريكي بتكلفة تعادل البلايين من الدولارات والمثيرة  للجدل آخذة بالتشكل بسرعة البرق – بسرعة أكبر من اللازم، كما يقول بعض خبراء السياسة النووية. مدفوعة من الكونغرس، بدأت وزارة الطاقة (اختصارا: الوزارة DOE) بتصميم مصدر نيوترون سريع متعدد الاستخدامات Versatile Fast Neutron Source، والذي سيكون أوّل مفاعل تُنشؤه وزارة الطاقة منذ سبعينات القرن العشرين. إذ سيقوم بتوليد نيوترونات عالية الطاقة من أجل اختبار المواد والوقود لما يسمى المفاعلات السريعة Fast Reactors . وليست لدى المرافق في الولايات المتحدة خطط لنشر مثل هذه المفاعلات النووية والتي يقول عنها محللو انتشار الأسلحة النووية إنها تُمثل خطرًا بسبب استخدام البلوتونيوم Plutonium، وهي مادة القنابل النووية.

وينقسم الباحثون حول ما إذا كانت هناك حاجة ماسّة إلى المفاعل، الذي من المُرجّح أن يُبنى في مختبر أيداهو الوطني Idaho National Laboratory (اختصارا: المختبر INL) بالقرب من أيداهو فولز، أم لا فائدة منه. ويقول ماسيميليانو فراتوني Massimiliano Fratoni، وهو مهندس نووي من جامعة كاليفورنيا University of California في بيركلي: “بالتأكيد يوجد نقص في القدرات بالولايات المتحدة وفي مثل هذه المرافق حول العالم كذلك.” ولكن فرانك فون هيبل Frank von Hippel، الفيزيائي النووي من جامعة برينستون Princeton University، يقول: “إنه مشروع ذو دوافع انتخابية.”

ويتمتع المفاعل بدعم غير عادي من الكونغرس. فقد منح الكونغرس في شهر مارس 2018 هذا المشروع 35 مليون دولار لهذا العام، على الرغم من أنّ وزارة الطاقة طلبت 10 ملايين دولار فقط. إذ مرّر مجلس النواب House of Representatives ومجلس الشيوخ Senate مشاريع قوانين منفصلة تدعو إلى استكمال المنشأة بحلول عام 2025، ففوّض مشروع قانون مجلس النواب وزارة الطاقة بإنفاق بليوني دولار. ويُخمّن فون هيبل أنّ التكلفة قد تصل إلى 10 بلايين دولار.

وتأتي المفاعلات النووية في نوعين عامّين: حراري وسريع. فالمفاعل الحراري “يحرق” وقودا يحتوي عادة على نسبة قليلة من نظير اليورانيوم -235، الذي يُطلق الطاقة والنيوترونات في تفاعل متسلسل. ولزيادة فُرص أن يَقسِم كلُّ نيوترون ذرةً أخرى في الوقود المخفف، يجب على “المُعدّل” أن يبطئها. وغالبًا ما تكون مياه التبريد نفسها هي التي تنقل الطاقة الحرارية خارج المركز. وتقريبا كل مفاعلات الطاقة التجارية هي مفاعلات حرارية مُبرَّدة بالماء.

         وفي المقابل، تشطر المفاعلاتُ السريعة الذراتَ مع النيوترونات الصرفة عالية الطاقة. إذ يجب أن تحرق المفاعلات الوقود المُخصّب بمزيد من اليورانيوم 235 أو التي تحتوي على البلوتونيوم 239، وأنّ سائل التبريد الخاص بها، الذي غالباً ما يكون صهارة الصوديوم أو الرصاص، لا يبطئ سرعة النيوترونات. كما أنها تأتي بميزة إضافية: يمكن للنيوترونات السريعة أن تُحوّل اليورانيوم 238 الخامل إلى البلوتونيوم 239 بفعالية لتوليد المزيد من الوقود. وقد كانت الفكرة مُحبّبة قبل عقود، عندما توقع الخبراء بأن توفر الطاقة النووية كل الطاقة الكهربائية في العالم وخشوا من أن ينفد اليورانيوم. واليوم، ومع عدم وجود نقص في اليورانيوم، لا تستطيع المفاعلات السريعة الأكثر تعقيدًا التنافس اقتصاديًا مع المفاعلات الحرارية، على الرغم من أنّ بعض الخبراء النوويين يقولون إنّه ستكون هناك حاجة إلى المولدات يومًا ما.

وفي أبريل هذا العام، دعا المختبرُ INL الصناعةَ إلى المساعدة على تصميم مفاعل سريع متواضع بقدرة 300 ميغاواط من شأنه أن يحرق الوقود القائم على البلوتونيوم والمصنوع من أسلحة نووية انتهى عمرها. وظهرت الحاجة إلى مفاعل بحث سريع لدراسة المواد والوقود في عام 2015، عندما قام مكتب الطاقة النووية التابع لوزارة الطاقة بمراجعة منشآته، كما يقول كمال باساميهمت أوغلو Kemal Pasamehmetoglu، وهو مهندس نووي من المختبر INL والذي يتولى قيادة المشروع: “كانت الفجوة الصارخة الوحيدة هي عدم وجود منفذ للوصول إلى النيوترونات السريعة.” إذ تمتلك روسيا مفاعل الاختبار النيوتروني السريع الوحيد في العالم.

ويُشكك آخرون في ذلك. إذ يقول جاكوبو بونغيورنو Jacopo Buongiorno، المهندس النووي من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج Massachusetts Institute of Technology: “لا أرى حاجة مُلحّة إلى هذا المرفق.” كما أنّه يقول إنّ مفاعل الاختبار سيعمل بعد فوات الأوان لمساعدة الشركات الآن على تطوير تصميمات مفاعلات سريعة جديدة، مثل أوكلو إنك Oklo Inc. من صني فيل بولاية كاليفورنيا. إذ توافق المؤسسة المشاركة لأوكلو كارولين كوكران Caroline Cochran على أنّ المفاعل لن يكون جاهزًا في الوقت المناسب لمساعدة الشركة، لكنها تقول: “سيكون ذلك موردًا وطنيًا في العقد القادم.”

ويقول إدوين ليمان Edwin Lyman، عالم الفيزياء في اتحاد العلماء المهتمين Union of Concerned Scientists في واشنطن العاصمة، إنّ الهدف الحقيقي لمُختبر INL هو إحياء برنامج المفاعل السريع. فقد أُغلق مُولّد المختبر INL التجريبي الثاني  المُبرّد بالصوديوم في عام 1994. ويقر باساميهمت أوغلو بأنّ أحد الأسباب لبناء مصدر النيوترون هو الاستمرار بالحفاظ على الخبرة.

ويقول مارك هيبس Mark Hibbs، محلل السياسات من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي Carnegie Institution for International Peace في برلين، إنّ الجدل حول مفاعل الاختبار يعكس جدلًا أكبر حول مستقبل الطاقة النووية. ويُضيف قائلا: “إذا كانت الطاقة النووية توفر جسراً لمصادر أخرى خالية من الكربون مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية، فلن تكون هناك حاجة إلى مفاعلات سريعة.” ولكن إذا كانت هناك حاجة إلى الطاقة النووية لعدة قرون ـ كما تتوقع الصين ـ فإنّ المرافق يجب أن تتحول في النهاية إلى مفاعلات سريعة لتوليد الوقود، كما يقول هيبس. ويُضيف قائلا: ” بأنّ الجدل يهيمن عليه المتشبثون بالفكرة وجماعات الضغط.”

وفي الكونغرس، يلقى المفاعل دعمًا من الحزبين، خاصة من لجنة العلوم في مجلس النواب House science committee، إذ رعى كل من الممثلين راندي ويبر Randy Weber (جمهوري- تكساس) وإيدي بيرنيز جونسون Eddie Bernice Johnson (ديموقراطي -تكساس) مشروع قانون مجلس النواب. ويقول أحد معاوني اللجنة: “لقد شعرنا بأن هناك حاجة واضحة للغاية وأنه الوقت المناسب،” ويُضيف قائلا: “إذا انتظرنا طويلاً، فستذهب كل هذه الشركات إلى روسيا.”

والمشروع يأخذ بالفعل مسارًا غير اعتيادي في وزارة الطاقة. فبناء على قواعد الوزارة، يجب أن يخضع أي مشروع رئيسي إلى مراجعة تؤكد الحاجة إلى المنشأة قبل الانتقال إلى التصميم. ولكن في هذه الحالة، يقول باساميهمت أوغلو إنّ فريقه سيُطور التصميم والتكلفة أولاً، ويقدّمه إلى وزارة الطاقة لاتخاذ قرار بالموافقة أو الرفض في عام 2020.

ويعتقد ليمان أنها مشكلة. إذ يقول: “من الواضح أنهم لم يدرسوا الحاجة إلى هذا المرفق.” ويقول فون هيبل، قبل المضي قُدمًا، ينبغي على وزارة الطاقة أن تطلب إلى الأكاديميات الوطنية للعلوم National Academies of Sciences والهندسة Engineering والطب Medicine دراسة الحاجة إلى المفاعل.

شرح الصورة: سيعمل المفاعل النووي “السريع” الجديد مثل المفاعل المُولّد التجريبي الثاني Experimental Breeder Reactor-II، الذي استمر حتى عام 1994 فيما يعرف الآن بمختبر أيداهو الوطني  Idaho National Laboratory.

Show More

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Close