العلوم الطبيعيةعلم الإنسان

فشل علاج مناعي جديد للسرطان

عقار مثير فَشِل في تجربة كبيرة، وسبب تحفظا وأثار تساؤلات حول سرعة تقدّم المجال المضطرب

إنّ الفشل المفاجئ الذي حدث الشهر الماضي في تجربة إكلينيكية كبيرة لعقار واعد للوقاية من السرطان من شركة التكنولوجيا الحيوية إنسايت Incyte سرعان ما تردد صداه في الصناعة الصيدلانية. إذ قامت بعدها ثلاث شركات بإلغاء أو تعليق أو تقليص 12 تجربة أخرى من المرحلة الثالثة للمُركّب، إيباكادوستات Epacadostat، وكذلك لعقارين مشابهين، كان من المقرر أن يُعطيا لأكثر من 5 آلاف مريض يعانون مجموعةً متنوعة من السرطانات المتقدمة.

 وتقول الشركات إنها لن تتخلى عن الأدوية محتملة الإمكانات، والمصممة لإطلاق نظام المناعة لمهاجمة الخلايا السرطانية عن طريق منع إنزيم يدعى إيندوليامين (2،3) – دي أكسِيجينيز Indoleamine (2,3)- dioxygenase (اختصارا: الإنزيم IDO). ولكن التراجع يشير إلى أنّ صرعة الجمع بين العقاقير الجديدة والأدوية المناعية الناجحة بشكل كبير مثل مثبطات نقاط التفتيش Checkpoint Inhibitors تخطو بخطوات أسرع من العلم (Science, 23 March, p. 1346). واستراتيجية الإنزيم IDO، كما يقول اختصاصي المناعة العصبية Neuroimmunologist مايكل بلاتن Michael Platten من جامعة هايدلبرغ University of Heidelberg في ألمانيا: “نُقلت إلى التجارب الإكلينيكية العشوائية Randomized بسرعة كبيرة، وأدركنا الآن أنّ [الإنزيم] لا يزال صندوقًا أسود.”

 وقبل عام، بدا مستقبل المثبطات IDO مشرقاً. إذ أفاد الأطباء في الاجتماع الذي عقدته الجمعية الأمريكية لعلم الأورام الإكلينيكي American Society of Clinical Oncology في يونيو 2017، أنّ عقار إيباكادوستات Epacadostat، الذي أُعطي مع مثبط نقاط التفتيش المعتمد أوبديفو Opdivo، قد قلّص الأورام في 25 من أصل 40 من مرضى سرطان الجلد الميلانوما Melanoma، أي ضعف معدل الاستجابة التاريخية لـمثبط نقاط التفتيش أوبديفو وحده. وكذلك، فإن نتائج تجربة ثانية من إيباكادوستات على 63 مريضا إضافيا للميلانوما أثارت الإعجاب أيضا، وبدا أنّ الدواء يعمل بشكل جيد في أنواع الورم الأخرى.

 ونتائج التجارب الأصغر من المرحلة الثانية لا تتنبأ دائمًا بأداء دواء السرطان في تجربة عشوائية من المرحلة الثالثة. ولكن بيانات عقار إيباكادوستات، كما يقول عالم الأورام المناعي Immuno-Oncologist من جامعة ييل Yale University ماريو سنول Mario Sznol، الذي توقع أن تتحقق بعض الفائدة للمرضى: “كانت مقنعة للغاية” (لم يكن سنول مشاركا في إجراء أي من تلك التجارب). وبالمقارنة بمثبط نقطة تفتيش وحده، فإنّ إيباكادوستات لم يُحدث فرقا فيما يقرب من 350 مريضا يتلقون العقاقير كلها في تجربة المرحلة الثالثة من إنسايت. وقال ستيفن شتاين Steven Stein، كبير المسؤولين الطبيين Chief Medical Officer في مدينة ويلمنغتون Wilmington بولاية ديلاوير، في مؤتمر عبر الهاتف معلنا عن نهاية مبكرة للتجربة: “النتائج واضحة ومخيبة للآمال. لم يكن أداء الدواء جيدا.”

نزوح جماعي

ثلاث شركات علقت أو ألغت أو خفّضت فجأة 13 تجربة من تجارب مثبطات الإنزيم  IDO (مشاركة مع أدوية تسمى مثبطات نقاط التفتيش Checkpoint Inhibitors).

الشركة

العقار

السرطان

إنسايت Incyte

(9 تجارب)

إيباكادوستات

Epacadostat

(INCB24360)

 

سرطان الجلد الميلانوما Melanoma والرئة، والرأس، والعنق، الظهارة البولية Urothelial، والكلى.
بريستول – مايرز سكويب Bristol-Myers

Squibb

(3 تجارب)

بي أم أس

BMS-986205

سرطان الجلد الميلانوما ، والرئة، والرأس، والعنق.

نيو لينك جينيتكس (تجربة)

إندوكسيموند

Indoximod

(NLG8189)

سرطان الجلد الميلانوما.

 ويشعر الباحثون في الشركة وفي مواقع أخرى بالحيرة. فهل الإنزيم IDO ببساطة هدف سيئ؟ وهل المركب الكيميائي الخاص بشركة إنسايت معيوب؟ أم أ كانت أنواع الأورام خاطئة أم المرضى الذين خضعوا للعلاج غير ملائمين لهذه التجربة؟ ويقول سنول: “يمكنك أن تنظر في قائمة الأسباب بأكملها.”

 ولايزال الوسط الصيدلاني موافقا على أنّ الإنزيم IDO هدف منطقي بشكل عام، إضافة إلى مثبطات نقاط التفتيش. وفهذه الأدوية تعمل كفرملة جزيئية تُطبَّق على الخلايا التائية المناعية T Cells التي تقتل الورم. ولكن الخلايا التي أُطلق عنانها تحفّز إنتاج الإنزيم IDO، التي، في دائرة راجعة سلبية Negative feedback loop، تعيد إيقافها مرة أخرى. ويقوم الإنزيم IDO بذلك أساسا عن طريق تنشيط بروتين داخل الخلايا المناعية بشكل غير مباشر يسمى مستقبل أريل الهيدروكربون Aryl Hydrocarbon Receptor (اختصارا: البروتين AHR). ولذلك، ينبغي أن يؤدي تثبيط الإنزيم IDO إلى أن تقوم مثبطات نقاط التفتيش بعملها بشكل أفضل.

 ولكن، لا يزال الكثير حول الإنزيم IDO مجهولا، كما يقول بلاتِن. كما يقول أيضا من غير الواضح كيف يُثبِّط الإنزيمُ IDO النظامَ المناعي بالضبط وما هي الخلايا المناعية الأكثر مشاركة في العملية. حتى فكرة أنّ الإنزيم  IDO يضعف التأثير المضاد للورم لمثبطات نقطة التفتيش مشتبه بها. ويقول بلاتِن: “الدليل على أنّ هذا يحدث فعلا في الحالة السريرية … ضئيل للغاية.”

 وقد يكون العقار، وليس الهدف، هو المشكلة. إذ تربط بعض مثبطات الإنزيم IDO بالبروتين AHR ومن ثم يمكن أن يُثبِّط الجهاز المناعي، على العكس من المطلوب من العقار. وذكرت نيو لينك جينيتكس NewLink Genetics أن دواءها يُنشِّط البروتين AHR بالفعل، ولكن بطريقة ما لا يزال يعتقد أنها تعزز استجابة مناعية قوية ضد الأورام. وتقول كل من إنسايت وإيلي ليلي آند كومباني Eli Lilly and Company أنّ عقاقيرهما لا تؤثر في البروتين AHR.

 ويقول ليفي غاراوي Levi Garraway، نائب الرئيس الأول للشؤون الطبية والتطور العالمي للأورام  في شركة Eli Lilly بإنديانابوليس ، إنّ الشركة ستحاول اختيار المرضى الأكثر قابلية للاستجابة لمثبطات الإنزيم IDO، باستخدام مؤشرات حيوية غير مُحدَّدة بعد. وفي اجتماع حديث لعلاج السرطان، قال عالم الأورام المناعي Immuno Oncologist توم غايوسكي Tom Gajewski، من جامعة شيكاغو University of Chicago بإلينوي، إنّ تحليل العلامات البيولوجية في تجارب الإنزيم IDO: “متأخرة.” وأضاف أنّ فشل تجربة إيباكادوستات هو: “دعوة جيدة للاستيقاظ وللتحقق من فحص جميع الخانات” للعلاجات المركّبة الجديدة. وربما قد لا تزال الشركات تميل إلى المضي قدما ببيانات محدودة. “قد يسود شعور’يجب علي أن أتصرف الآن’،” كما يقول غاراوي.

 ويوافق سنول على أنّ الشركات ربما دفعت بمثبطات الإنزيم IDO إلى تجارب المرحلة الثالثة بزخم شديد. ولكنه يحذّر من تضخيم فشل تجربة إيباكادوستات. “بالتأكيد، يحتاج المجال إلى القليل من التهدئة، دون شك،” كما يقول. ويستدرك قائلا: “ولكن لا ينبغي أن يُقلل من الحماس كثيرا. .و.. لا تمسح تجربة سلبية جميع النتائج الإيجابية التي شاهدناها حتى هذه اللحظة.”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق